نوفل سلامة
صدر للأديب التونسي عبد الواحد براهم راوية جديدة تحمل عنوان “المشعوذون” تتحدث عن الحالة السياسية والاجتماعية في العهد الحسيني في القرن الثامن عشر ميلادي في زمن حكم الباي حسين والباي علي وابنه يونس وهي رواية تصف الاضطراب الذي عرفه الحكم في تلك الفترة والدسائس التي كان يعرفها قصر الباي والمؤامرات التي تحاك من أجل الاستحواذ على السلطة والتي ذهب ضحيتها الباي حسين بعد أن قتله ابن أخيه يونس ونصب مكانه والده علي قبل أن يفكر يونس في قتله بعد أن أصبح يراقب في تصرفاته التي استنكرها الأهالي وبدأت الوشاية و الشكوى من أفعاله تصل إلى الباي بعد اتهام يونس بإفساد ما أصلحه والده فكان أن تعرضالباي علي إلى محاولات قتل فاشلة على يد ابنه هذا.
في ظل هذا المناخ السياسي المتعفن والمضطرب تكونت طبقة من المشعوذين سيطرت على كامل المجتمع وتحكمت في العلاقات بين الناس فكان الباي قبل أن يقدم على خوض غمار حرب إلاويستشير وليّ من الأولياء المنتشرين في البلاد هل يمضي في الحرب أم يعدل عنها ؟ وحتى بعد أن يعود يتجه مباشرة إلى الزاوية ليأخذ بركة شيخها بحيث كان الحاكم لا يقدم على تصرف من التصرفات كبيرا كان أم صغيرا إلا ويأخذ رأي أحد المشعوذين.
فكانت هذه الفئة المشتغلة بالدجل والمشيعة للجهل والأوهام هي التي تؤطر سلوك الناس وتتدخل باستمرار للتأثير في الأحداث فكان المجتمع في تلك الفترة من التاريخ محكوما بثقافة الشعوذة والجميع شعبا وحكاما كانوا محتاجين إلى أصحاب الزوايا لاتخاذ قرار من القرارات أو مباركة عمل من الأعمال بل أن هذه الطبقة كانت مؤثرة في صناعة الأحداث والأشخاص وشيئا فشيئا اكتسبت قوة جعلتها تؤثر في الحكم والسلطة. يذكر عبد الواحد براهم أن قبائل العربان المتقاتلةكانت تستعين بالأولياء الذين يقررون بدلا عنهم مواعيد الفوز ومواعيد الهزيمة وأن يونس بعد فشل محاولات قتل والده كان ملاذه زاوية سيدي منصور بن جردان يشكو وليها حاله ويطلب منه العون على أبيه.
وهذا يعني أن مؤسسة الزوايا ومقامات الأولياء كانت في العهد الحسيني متحكمة في مفاصل المجتمع ولها نفوذها في الحكم والدولة وكانت تلعب دورا حاسما في توجيه الأحداث الوجهة التي تريدها كانت قادرة كذلك على تشكيل وعي الشعب وسلوك أفراده وهذا الواقع الذي عرف هيمنة طبقة المشعوذين قد تواصل إلى اليوم ولكن بأشكال مختلفة فإذا كان في العهد الحفصي من يشكل الرأي العام ويصنع اتجاهات الرأي ويؤثر في الشعب هم المشعوذون من أتباع الزوايا والأولياء فإن في زماننا الحاضر مشعوذون جدد هم اليوم الحكام الفعليين يتكونون من مؤسسات سبر الآراء ومؤسسات إعلامية مسموعة ومكتوبة ومقروءة وأحزاب ومنظمات مجتمع مدني ونقابات مهنية ولوبيات ومال وأعمال وخبراء محللين كل هؤلاء هم اليوم من يتحكم في المجتمع وهم اليوم من يشكلون وعيه وهم اليوم من يلوذ بهم كل من يريد السلطة أو يحوز موقعا في الحكم ومن يريد أن يحتمي من المخاطر التي ترصده.
ما أراد قوله عبد الواحد براهم من خلال روايته “المشحوذون” هو أن تاريخنا القديم كما الحديثكان محكوما بفئة من المشعوذين قدرت أن تتحكم في الأحداث واستطاعت أن تؤثر في مسار التاريخ واليوم نعيش من جديد تحت وقع سيطرة مشعوذين جدد هيمنوا على كل شيء وتحكموا في كل شيء وهم اليوم من يقدم الطمأنينة التي يبحث عنها الجميع وهم اليوم من يقصدهم كل من يريد تحقيق مآرب خاصة في عملية تلاعب بالعقول حديثة وعملية تشكيل وعي مزيف بكيفية تشبه ما كان يقوم به المشعوذون القدامى ليتحول المقدس في نظر عبد الواحد براهم إلى مقدسات وتتسع دائرته ويزداد وقعه فالنفوس كما يقول تحتاج إلى مثل هؤلاء المشعوذين لتشعر ببعض الراحة ويعود إليها التوازن والرضى.




