حاوره أسامة بالطاهر
صورة نور الدين عبيدي
عبّر مستشار رئيس الحكومة المكلف بالملف الاقتصادي رضا السعيدي عن أمله في أن تسترجع محرّكات الاقتصاد الوطني نسقها العادي في الفترة المقبلة من أجل تحقيق نسبة النمو المأمولة، مبيّنا أن الحكومة وضعت خططا للعمل عليها بالإضافة إلى الحرص على استحثاث النشاط في بقية الأنشطة الاقتصاديّة وخاصّة استخراج الفسفاط والبترول. وأشار في حوار خصّ به صحيفة “الرأي العام” إلى أن مؤشرات إيجابيّة ومطمئنة على تحقيق وعود الاستثمار معربا عن أمله في بلوغ نسبة نموّ 3 % في سنة 2018 و4 % سنة 2019 وتسجيل معدّل 3.5 % مع نهاية المخطّط.
كيف تقيّمون الوضعيّة الاقتصاديّة للبلاد في موفّى 2017؟
هناك عديد المؤشرات لتقييم الوضع الاقتصادي (النمو الاقتصادي، نمو الاستثمار، نسبة الادخار الوطني من الناتج الداخلي الخام، البطالة التضخّم، عجز الميزان التجاري، ميزان المدفوعات الخارجيّة، احتياطي العملة الصعبة ووضع العملة الوطنيّة)، هذه المؤشرات تعطينا فكرة عامّة. كذلك لا بدّ من الحديث عن الجانب المالي، عن السوق النقديّة ولكن بالأساس على وضعيّة الماليّة العموميّة لأنها مكوّن أساسي للوضع المالي في تقييمه ويؤثّر في التوازنات الكبرى وعلى الترقيم السيادي لتونس وموقف المستثمر الأجنبي.
اليوم هناك أبواب كبرى في الميزانيّة بدأت فيها مشاريع إصلاح هامّة: باب التأجير الصناديق الاجتماعيّة الدعم ولإصلاحها في اتجاه توجيهه نحو مستحقّيه (12% فقط من جملة الدعم يصل لمستحقّيه).
كحكم عام، الماليّة العموميّة تعيش صعوبات على مستوى التوازنات، عجز تم تسجيله في ميزانيّة الدولة لسنة 2017 قدّر بـ 6.1 % والميزانيّة الجديدة تمّ ضبط حدّ معقول في حدود 4.9 % نسبة عجز ميزانيّة الدولة. والملاحظ أن هناك تحكّم في نسبة العجز نحو التخفيض. نفس الشيء بالنسبة إلى التداين الخارجي هناك صعوبة وصلنا فيه إلى نسبة 71.4 % في 2018 من الناتج الداخلي الخام وهي نسبة عالية. بلغنا نسبة 70 % في سنة 2017 والتزاماتنا الماليّة والحاجة إلى التمويل الخارجي والصعوبات التي نعرفها في ميزان الدفوعات الخارجيّة جعلنا في حاجة إلى التمويل الخارجي ولذلك نحن في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأوروبي مع البنك الافريقي للتنمية وبقية الصناديق مثل صندوق العربي للتنمية الاقتصاديّة وغيرها مفاوضات وحوارات من أجل دعم الاقتصاد التونسي وخاصّة ميزانيّة الدولة.
يذكر أن موقف وفد صندوق النقد الدولي الذي زار تونس كان إيجابيا بخصوص التزام الدولة التونسيّة بالإصلاحات وتقدّمها في إنجازها؟
اليوم نجحت البلاد في انتقالها السياسي بأقدار كبيرة ونحن بصدد المضي خطوة بخطوة قد تكون بطيئة ولكنها ثابتة مقارنة بالمحيط العربي. ولكن هناك جانب آخر لا بدّ من إنجازه يخصّ الانتقال الاقتصادي والاجتماعي.
برغم الصعوبات والنمو الاقتصادي الضعيف الذي سجّل مؤخّرا خاصّة 2015 و2016 1% بدأنا نستعيد نسق النمو في 2017 ومن المقدّر تسجيل نسبة 2.3 % مع نهاية السنة.
بخصوص محرّك التصدير القادر على جلب العملة الصعبة وتنمية احتياطي العملة الصعبة وتحسين ميزان الدفوعات الخارجيّة وتقليص عجز الميزان التجاري الذي بلغ درجات مقلقة، سعت الحكومة إلى التحكّم في الميزان التجاري عبر بعض الاجراءات، مثل دعم الصادرات وتنويع الشركات الاقتصاديّة مع بلدان أخرى (باتجاه افريقيا وآسيا والدول العربيّة).
أمّا محرك الاستثمار، فقد حافظت الحكومة على نسبة استثمار عمومي (ميزانية: عنوان 2) تجعلها قادرة على مواصلة تنفيذ المشاريع العمومية إضافة إلى رسم برنامج للمشاريع المشتركة بين القطاع العام والخاص (3 مشاريع كبرى) في حدود 520 مليون دينار تنضاف إلى 5740 مليون دينار المخصصة للتنمية (ميزانية: عنوان 2). وهناك برنامج كامل ستعمل عليه للسنوات المقبلة وهي شراكات في حدود 5200 مليون دينار كمشاريع مشتركة. وهناك أيضا دراسات وإجراءات خاصّة بالمشاريع الكبرى المعروضة على الحكومة من طرف القطاع الخاص والتي هي معطّلة لسنوات. ولذلك لدينا في رئاسة الحكومة لجنة تتابع المشاريع المعطلّة (عموميّة وخاصّة) لاتخاذ الاجراءات من أجل دفع الاستثمار في إطار رفع الحواجز أمام الاستثمار وهي مبادرة حكوميّة لانعاش الاقتصاد ودعم النمو التي أعلن عليها رئيس الحكومة أمام نواب الشعب.
الانطباع الجيّد لبعثة صندوق النقد الدولي وتحسّن المؤشرات الاقتصاديّة لم يعكسه قرار شريكنا الاقتصادي الأول الذي صنّفنا في القائمة السوداء لغير المتعاونين ضريبيّا، كيف تقرؤون هذا القرار؟
هناك جملة من المعايير التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي في تصنيف الدول. قمنا كحكومة، من خلال المذكرة التي تم إرسالها وفي اللقاءات التي جمعت مسؤولي الحكومة وخاصّة وزير الخارجيّة بسفراء الاتحاد الأوروبي وكذلك في اللقاءات التي تمّت مع مسؤولي الاتحاد الأوروبي، بتوضيح الوضعيّة بدقّة.
عبرّنا على استغرابنا لهذا التصنيف لأن تونس ليست جنّة ضريبيّة وقد بيّنا أن تونس منذ سنوات اعتمدت تقريب النظامين. وذكّرنا بمجهود الحكومة في هذا السياق في المذكرة المرسلة إلى الاتحاد الأوروبي. وأن كل ما في الأمر هناك مساعي لجلب الاستثمار الخارجي إلى تونس عبر التحفيز على الانتصاب في تونس وذلك قرار سيادي تونسي.
هناك موقف أوروبي من هروب المؤسسات الأوروبية من أوروبا وانتصابها في البلدان المصنفة ملاذات ضريبية ولكن تونس ليست ملاذا ضريبيا ولكنها تعتمد سياسة تحفيزية لاستقطاب الاستثمارات مهما كانت جنسياتها. بيّنا ذلك من خلال المذكرة ووعدنا الطرف الأوروبي بمراجعة القرار في اللقاء المقبل في جانفي القادم وسيقع تمكين تونس من شرح الوضعيّة.
تمّت المصادقة على الميزانيّة بنسبة مريحة، ولكن هذا لا ينفي تأكيد بعض الخبراء أنها لا تفي بالغرض وستضطر الحكومة إلى ميزانيّة تكميليّة؟
اعتمدنا في وضع الميزانيّة فرضيات. يمكن أن نتساءل هل أن الفرضيات قابلة للتغيير: نسبة نمو 3 % ونقدّر في الحكومة أن هناك عديد القطاعات بصدد استعادة مستوى نشاط محترم. تراجع انتاج البترول وتأثيره على الميزان الطاقي، دخول عديد الاستثمارات في الانجاز إضافة إلى المشاريع العموميّة…
يمكن القول أن المؤاخذة تهمّ فرضيّة سعر البترول (54 دولار) بينما معدّل السعر على كامل السنة 56 دولار والأسعار ارتفعت الآن أكثر من 60 دولار وهذا له تأثير فدولار إضافي في سعر البترول يكلّفنا 120 مليون دينار.
بخصوص الحاجة إلى ميزانيّة تكميلية أم لا، ذلك مرتبط بمدى قدرتنا على التحكم في التوازنات وأن لا تقع انزلاقات مثلما حدث في 2017 (دعم المحروقات انزلاق بـ 900 مليون دينار وكتلة الأجور بـ 600 مليون دولار) وتحقيق نسب النمو ونسب الاستخلاص الجبائي والذي يعدّ من أولويّات الحكومة وهناك جهد إضافي لاستخلاص الجباية ومقاومة التهرّب الجبائي لتنمية موارد الحكومة.
هناك أيضا برنامج للتفويت في مناب الدولة من المؤسسات المصادرة، وجزء من هذا البرنامج كان سينفّذ في 2017 وتم تأجيله ولكن سيتم تنفيذه كاملا في 2018.
خلاصة القول، إذا لم تحدث انزلاقات وبقينا في الحدود المعقولة من نفقات طارئة وعمليات التصرّف في تنفيذ الميزانيّة لن نحتاج إلى ميزانيّة تكميليّة.
أثناء مناقشة الميزانيّة كانت هناك تصريحات متضاربة بينك وبين كاتب الدولة للتجارة حول الزيادة في أسعار المواد الأساسيّة والمحروقات، ما حقيقة الأمر؟
تصريحي حول الزيادات كان في سياق الحديث عن الاصلاحات الكبرى مثل الجباية والمؤسسات العمومية ومنظومة الصناديق الاجتماعية ومنظومة الدعم، وبخصوص الدعم قرّرنا أن نبقي على نفس مستوى الدعم في 2017 (بل وأضفنا 70 مليون دينار).
نتساءل ماذا لو ارتفع سعر المحروقات عالميا، فإمّا أن نقبل بالعجز وبهذا الانزلاق ونضطرّ إلى ميزانيّة تكميليّة أو أن ندرس فرضيات زيادة الأسعار. وبالتالي ما تمّ نقله من تصريحاتي كان خاطئا لأنّي تحدّثت عن فرضيّات وليس قرارات.
دائما ما نتحدّث عن إصلاح منظومة الدعم، كيف سيتم ذلك؟
منظومة الدعم قائمة ولكن لا بدّ من ترشيدها بحيث يوجّه الدعم إلى مستحقّيه، لذلك نحن نتحدّث عن برنامج المعرّف الاجتماعي الوحيد، وكنت أشرفت في 2013 على المجلس الوزاري الذي اتحذ قرار المعرّف الاجتماعي الوحيد ولكنه تعطّل لأسباب إدارية ونقابيّة ولوجستيّة. تم تكليف وزارة الشؤون الاجتماعيّة وبعض الوزارات الأخرى مثل وزارة الداخليّة وتكنولوجيا المعلومات والاتصال ورئاسة الحكومة وغيرها من أجل تنفيذ هذا البرنامج في 2018 وهو ما سيساعدنا على استهداف الطبقة التي تحتاج الدعم. وبالتالي تخرج المنظومة من دعم المواد إلى دعم الأفراد.
صرّحت مؤخّرا أن الدولة اتخذت عديد الاجراءات من أجل ضمان استمراريّة تنفيذ بعض الاستثمارات الكبرى وخاصّة الخليجيّة، ما هي هذه الاستثمارات وما هي الإجراءات؟
قدمنا مشروع قانون منذ السنة الماضية. يسميه البعض “قانون الطوارئ الاقتصاديّة” أو “قانون تسريع انجاز المشاريع”. هناك مشاريع معطّلة بسبب الاجراءات الاداريّة (دراسات، طلب عروض، عقد الصفقات، الفرز…) تتطلّب كثيرا من الوقت لذلك كان لا بدّ من إجراءات استثنائيّة من أجل تقليص الآجال واتخاذ القرارات بسرعة. هذا القانون من الأولويّات وذكّر به السيّد رئيس الحكومة في بيان الميزانية أمام مجلس نواب الشعب.
بخصوص المشاريع، لا بدّ من القول بأن دول الخليج أساسيّة في الاستثمار الخارجي ومنها من وقف إلى جانب تونس منذ الثمانينات.
هناك مشاريع كبرى مثل المرفأ المالي وتمّ اتخاذ إجراءات من أجل التسريع في إنجازه وقد انطلقت عمليات التهيئة فعليّا. مشروع المدينة الرياضيّة بو خاطر وفيه مراجعة لمثال التهيئة ومراجعة مكوّنات المشروع وتنتظر المصادقة من الوزارات المعنيّة وخاصّة وزارة التجهيز إضافة إلى بلديّة تونس. مشروع سما دبيّ تعطّل وهو مرتبط باتفاقيّة الاستثمار ومكوّنات المشروع ولازلنا ننتظر أن يعبّر المستثمر عن رغبته في الايفاء بالتزاماته. وهناك اتفاقيّة تتضمن بنودا تخوّل للدولة مواصلة المشروع أو التوقّف في حالة عدم الالتزام بالتنفيذ. نأمل أن تتم المفاوضات وتكون نتائجها إيجابيّة فغايتنا تنفيذ الاستثمارات لأنها تحرّك النمو الاقتصادي.
إضافة إلى ذلك مشاريع الحكومة. وكنّا في زيارة ميدانية لولاية قابس، وأنا أشرف على لجنة القيادة لمشروع وحدات الانتاج الحامض الفسفوري والكبريتي ونقلها خارج قابس.
مشروع يصل بكامل مكوّناته والتهيئة إلى 5000 مليون دينار وهو أكبر مشروع في تونس. وهو يهدف إلى إنهاء التلوّث الهوائي والبحري في قابس وعاينّا المواقع وسيتم تحديد الموقع قبل موفّى هذه السنة حيث ستتم خلال هذا الأسبوع الدراسات الجيولوجيّة والعقاريّة والمقبوليّة الاجتماعيّة. وهو مشروع سيحيي منطقة كاملة.
ولكن هذا المشروع قوبل باحتجاجات وخاصّة من متساكني مدينة الحامّة بسبب ما قيل أنه نقل التلوّث من خليج قابس إلى جهتهم، كيف تردّون على ذلك؟
سيتم تنفيذ المشروع بمواصفات تكنولوجيّة عالميّة عالية جدّا، ومثلها في بلدان متقدّمة توجد في محيط العمران، ولكن حرصنا على جعلها خارج مناطق العمران. فحتى إن كان هناك تلوّث سيكون في الحدود الدنيا وبعيدا عن المواطنين، فضلا عن القضاء على التلوّث البحري. بالإضافة إلى تثمين مادّة الفسفوجيبس. وهناك دراسات ستنتهي في مارس القادم لإثبات أن هذه المادة غير ملوّثة وتتوفر على خصائص يمكن الاستفادة منها. هذا مشروع رغم تكلفته الباهظة لكنه جريء وثوري.
وماذا عن مشروع تونس الاقتصاديّة في النفيضة، وشكوى صاحب المشروع من التعطيلات التي يتعرّض لها؟
لا بدّ من الإشارة إلى أن تونس الاقتصاديّة هي فكرة مشروع وليس مشروعا، وأراد صاحبه القيام به في أفضل منطقة حاليّا في تونس والتي تتوفّر على مساحات قادرة على استقبال مثل هذه المشاريع (آلاف الهكتارات، مطار، ميناء مياه عميقة، طريق سيارة مشروع ربط بالسكة الحديدية …).
وزارة التجهيز قرّرت القيام بدراسة للنظر في مخطط قيادي ومثال تهيئة لكامل المنطقة، فعوض أن يأتي مستثمر يريد تنفيذ مشروع ما يمكن أن تطلب الدولة ذلك وفق حاجياتها في تلك المنطقة ويتم قبول المشاريع من خلال المنافسة النزيهة والشفافة.
هناك عديد الطلبات لمشاريع في نفس ذلك الموقع (مدينة ألعاب بحريّة، محطة سياحيّة استشفائيّة، …) ومثل هذه المشاريع التي ترد على الحكومة لا يمكن قبولها إلا في تصوّر شامل للمنطقة والتي هي من أفضل المناطق في المتوسط.




