فتح الدين البودالي – مناضل وطني
إنّ جهة الكاف التّي أنحدر منها لم يخف إسمها عن سجلّات التّاريخ باعتبار خصائصها الطبيعيّة والبشريّة والحضاريّة وهي من أثرى منابع العطاء الماديّ والقيميّ والإلهام الفنيّ والإبداع الثّقافي لما لها من إرث حضاريّ ، وهي أيضا من أهمّ المعاقل النضاليّة زمن ثورة الاستقلال بفضل ما لأبنائها من حسّ وطنيّ ووفاء وتضامن أخويّ مغاربيّ، فكانت قاعدة كبرى لاحتضان الثّورة الجزائريّة وقادتها.
وقد تجلّت مظاهر الدّعم والنّصرة والعطاء إبّان العدوان الفرنسيّ الجويّ على مدينة ساقية سيدي يوسف في 8 فيفري 1958، ذلك العدوان الآثم الذّي امتزجت فيه الدماء التونسية والجزائريّة انتقاما من إيواء التونسيين للمقاومة الجزائريّة آن ذاك، إنّها ضريبة تلاحم الشعبين.
ومنذ بداية الاستقلال في 20 مارس 1956 كانت الجهة مؤهّلة للتنمية والتقدّم ضمن المجموعة الوطنيّة، بيد أنّ أوضاعها ومؤشّراتها الناتجة عن تواصل الحرب الجزائريّة حتّى سنة 1963 ومحدوديّة الاستثمار العمومي والخاص، وهيمنة الطابع الرعوي وتفاقم زحف التصحرّ والمناخ الصّعب وإغلاق مناجم الحديد والرّصاص والفسفاط وتمادي ركود سوق الشغل واستفحال البطالة وكثرة النزوح والمنزلقات الاجتماعيّة والخلقيّة دون تحقيق وعود العدالة على مرّ العقود.
كانت سببا لتدحرج الجهة ضمن المناطق المهمّشة والمحرومة والأقلّ حظّا ؛ فوصلت نسبة الفقر 34,2 % حسب تقرير المعهد الوطني للإحصاء سنة 2017 ومنحدرة إلى آخر الترتيب بعد القيروان 39,9 % ، مقارنة بالجهات السّاحليّة منها بالخصوص، والحال أنّها كانت تحتلّ المرتبة الثّالثة والمموّلة لخزينة الدّولة.
الآفــــــــــــاق
وفي خضمّ الظرف الذي تجتازه تونس برمّتها إثر ثورة الحرية والديمقراطية والكرامة في 17 – 11 جانفي 2011 تمر الجهة والذكرى الستين (1958-2018) لأحداث الساقية دون أن يلتفت إليها أحد وأصبح الوضع محل جدل رغم الإمكانيات الطبيعية المتوفرة والقادرة على الارتقاء بها نحو الأفضل لو وجدت الإرادة السياسية.
ومع طول الانتظار والتلكؤ، تآكلت الفرص في دوامة الخطب والوعود، أصبح من المتحتّم إزالة الجفاء وإحلال الإنصاف والأمل لدى أبنائها لما لها من مقومات التنمية لاستخلاص الدروس واستجلاء الدروب من خلال الفرص المتاحة ، بات من الضروري والمتأكد القيام بمراجعة الآليات التنموية وحصر العراقيل التي أعاقت المسار الأحيائي على ضوء المقدرات الطبيعية والتصورات التالية بجعل الجهة قطبا تنمويا تنشيطيا.
- القيام بدراسات استراتيجية متعددة النوافذ لمجالات التدخل العمومي وفرص الاستثمار تكون كفيلة بالارتقاء بالأداء الاقتصادي من خلال بناء شبكات تواصل متكاملة لكل مناطق الولاية تتيح لها الاندماج لتحقق التطور المنشود.
- تطوير البنية الأساسية لفك العزلة واقتصاد الوقت وكلفة الإنتاج من ذلك تدعيم شبكات الطرقات ومد طريق سيارة عصرية وإعادة النظر في ظروف النقل وخاصة الحديدي وتطوير البنية التحتية من مسالك وسدود وبحيرات والتنقيب عن المياه الجوفية وحماية المدن من الفيضانات.
- إن الفلاحة قطاع استراتيجي وأساسي يمتد مخزونه على 515 ألف هكتار منها 350 ألف هكتار للزراعات الكبرى و15 ألف هكتار سقوية قابلة للتوسع و150 ألف هكتار غابية وأودية ومناطق قاحلة قابلة للإحياء.
ومن البيّن أن مردود الفلاحة يشكو ضعفا فادحا هو جدير بالتمتع بإجراءات تقوم على المحافظة على كل الثروات والمكاسب خاصة الأراضي الدولية والارتقاء بها كأنموذج مثالي للتنمية المندمجة ودعم قطاع الخدمات لحماية المنتج والمستهلك معا، وتفعيل قانون الإهمال لجعل الملكية وظيفة اقتصادية واجتماعية، والعمل بضوابط النجاعة والجدوى للخارطة الفلاحية وأساسا المحافظة على وحدة الأرض لمكافحة آفة التشتت حماية لصغار ومتوسطي الفلاحين المباشرين وضمانا للاستقرار والاستدامة.
- وفيما يتعلق بالصناعات نجد أن فرص الاستثمار كبيرة في الصناعات الآلية والغذائية والتقليدية وكذلك المنجمية، إذ تكفي الإشارة إلى أهمية الإسراع في تذليل العوائق أمام مشروع “منجم سرى ورتان” المكشوف للفسفاط، إضافة إلى البحث والتنقيب عن المدخرات المعدنية والنفطية والغازية وتطوير استغلال المواد الإنشائية.
- أما القطاع التجاري فيتمتع بفرص رحبة للاستثمار وخصوصا المبادلات عبر الحدود في ظل اتفاقيات ثنائية مغاربية وإقليمية.
- تدعيم المدارس والمعاهد والكليات وبعث قطب جامعي متكامل وتدعيم وتطوير طاقة التكوين المهني وتنويع الاختصاصات بما يتلاءم والنسيج الاقتصادي بالجهة.
- كما أن الجهة حبلى بالفرص التي تتيحها السياحة الثقافية والاستشفائية والمعدنية وسياحة الصيد.
- التركيز على الخدمات الجديدة للاتصال والإعلام.
- تدعيم البنية الأساسية لدور ونوادي الشباب والثقافة والتجهيزات الرياضية.
- النهوض بالقطاع الصحي وطب الاختصاص والاستعجالي بالخصوص.
- تنشيط الاستثمار برفع نسق التشغيل وتنمية الثروة.
- ضمان جودة الحياة والتنمية المستديمة برفع نسبة التزود بالماء الصالح للشراب والربط بشبكة التطهير والارتقاء بنسبة التنوير والسكن الاجتماعي وتهذيب الأحياء الشعبية وإحداث منتزهات حضرية والنهوض الاجتماعي خاصة للفئات الفاقدة للسند وإدماج المعوقين.
وخـلاصـة القـول، يقينا أن قطار التراكمات المدمّرة والمحفّزة في آن واحد بما تحتاجه الجهة، وهي جديرة من الضروري وفي زخم الثورة المتوهجة أن تصارع اليوم من أجل إعادة البناء الصحيح، خصوصا وروح الثورة لدى شبابنا اليوم والتي انتشرت في بلادنا كفيلة بأن تعصف بقوى الحيف والفساد لإحداث الفارق الكمي والنوعي المنشود والدفاع عن السلم السياسي والاجتماعي من أجل التوازن، فالعدل أساس العمران والأمن والاستقرار باعثان للأمل في مستقبل مشرق لأجيالنا القادمة وإسكات للأصوات المحبطة والمنذرة بالشؤم، فلنعمل وبجد على تحقيق مقولة رسولنا صلى الله عليه وسلّم :
“إذاَ قــــامَــتْ السَّـــاعَـــةُ وبيَــــدِ أَحَدِكُــمْ فَسِيـــلَـةٌ فَلْيَغْـــرِسْــــهــَا.”
وفي هذا دليل على ضرورة استمرار عمل الإنسان إلى آخر رمق.




