لطفي هرماسي
كما كانت دوما، خلال مراحل تاريخها القديم والوسيط والحديث، من تاكفاريناس إلى 8 و 9 و10 جانفي 2011 (التي يصر أهلها أنها تاريخ ثورتهم التي سقط فيها منهم أكثر من 20 شهيدا وشهيدة والتي يتجاذبها قطبا 17 ديسمبر و14 جانفي)، تظل القصرين محرارا للتحركات الاجتماعية، وجهة رفض وتصد لقرارات السلطة، أي سلطة، فما بالك إن كانت قرارات تزيد من وضع أبنائها المفقرين فقرا، وتوصد أمامهم أبواب المستقبل الزاهر الذي ظلوا يحلمون به دهورا ودهورا… يحلم بها رضيعهم حتى يشيب ثم يورث الحلم لأبنائه وأحفاده.
هو حلم بات في عيونهم أسطوريا.. حلم القصرين الجهة النامية التي تتوفر بها كل المرافق، والمؤسسات، ويتوفر بها الشغل الذي يكفل كرامة كل أبنائها وبناتها.
القصرين، الأرض الحرشاء، مدينة النسيان والدهشة كما يطلق عليها متساكنوها، فقدت ثقتها في السياسيين، وفي الحكومات المتعاقبة لأن كل المسؤولين الذين زاروها في فترات غليانها واحتجاجاتها، أعلنوا عن قرارات ووعود وهمية لم تتحقق، وعقدوا جلسات استماع مع شبابها وفعالياتها، ومجالس وزارية، لم تف بتعهداتها.
القصرين، سبع سنوات بعد الثورة، تشعر بالخذلان، خذلان أحزابها الغائبة عن دائرة الفعل ودوائر القرار، وخذلان نوابها، الذين تناسوا وعودهم الانتخابية وانخرطوا في أجندات أحزابهم وخير جلّهم الاستقرار في العاصمة. شبابها منهك من السعي للعثور على مواطن شغل، ومن الاحتجاج ألف مرة ومرة دون جدوى على وضعه المتردي.
القصرين، سبع سنوات بعد الثورة تشعر بانسداد الآفاق، وطعم الحقرة التي ثارت من أجلها، وبأن الوطن الذي دفعت في سبيله أرواح فلذات أكبادها وخيرة شبابها، مدين لها ولأهلها بما يعيشه من حرية، وديمقراطية، وأن كل عام يمضي يزيد من إضعاف أملها في أن تحظى بما حظيت به غيرها من الجهات “النّامية”.
خلال الأيام الأخيرة، وبمناسبة تمرير قانون المالية، وما نتج عنه من موجة الترفيع في الأسعار، وتزامنا مع ذكرى الثورة، شهدت جهة القصرين تحركات سلمية شملت جل معتمدياتها، وعادت بفضلها إلى واجهة الأحداث لتتصدر عناوين الأخبار.
كل التحركات المشروعة كانت سلمية، تنطلق نهارا وتتحول أحيانا إلى مواجهات مع قوات الأمن سرعان ما ينخفض منسوب توترها تدريجيا لتعود إلى هدوئها الحذر.
لكن ما يشد الانتباه في تحركات 8 و 9 جانفي 2018، هو أن أول انحراف لها (وقد شمل خلع المستودع البلدي والاستيلاء على دراجات نارية محجوزة منه) شهد استهجانا ورفضا وتنديدا وتبرّؤا من كل متساكني الجهة وشبابها.
لا أحد في القصرين برّر الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، ولا أحد ساند الاقتحام، والخلع والسرقة، بل، والأجمل من ذلك كله، انخراط مجموعة كبيرة من المواطنين في حملة نظافة لإزالة آثار مواجهات الليلة الفاصلة بين 8 و 9 جانفي 2018، ولم تصبح المدينة إلا وقد أزالت عن وجهها دخان وغبار ليلتها الداكنة تلك.
إنه الوعي الثوري الحقيقي بأن المطالب والاحتجاجات المشروعة ليست مرادفة للعدوان والعنف والتخريب و بأن المطالب والقضايا العادلة لا يمكن أن تدنس بالمشين من الأفعال، وبأن المحتج الذي يرفض ما يعتبره ظلما وإجحافا في حقه لا يمكن أن يظلم وأن يعتدي، وأن يكون من المفسدين في الأرض.
أما الجبهة الشعبية التي تدعي بطولة ليست من حقها، بحكم انكشاف حجم مغالطتها لأبناء شعبنا بالمصادقة على فصول تدعو الناس للاحتجاج عليها وإسقاطها، فلم تجد في جهة القصرين سوى الاستهجان والسخرية باعتبار تعوّد الناس على أساليبها الانتهازية في الركوب على الأحداث والاحتجاجات، ورفضهم لأن توظف آمالهم وآلامهم من قبل الطرف السياسي الأكثر عدمية، والأكثر حرصا على التلاعب بعقول البسطاء.
في القصرين، هذه الأيام حوارات ساخنة، وآراء متعددة، ودعوات مختلفة، ولكنها تتفق جميعها في شرعية وسلمية الاحتجاج، وفي المحافظة على الممتلكات العامة والخاصة، وفي قطع الطريق على الراكبين كذبا وبهتانا على آلام المفقرين، وإذا أراد بعضهم أن ترتفع درجة الحرارة في القصرين محرار التحركات الاجتماعية، بمزيد تأجيج الأوضاع ودفعها نحو أجندات مشبوهة تهدد وحدة المجتمع، ومكتسبات الثورة، فإنهم لن يجدوا في الجهة آذانا صاغية لأن أبناءها أكثر وعيا بدقة اللحظة الوطنية الراهنة، وبأنهم لن يسمحوا بان يكونوا وقودا لمعركة سياسية استئصالية تهدف إلى إلغاء الانتخابات البلدية، والدخول بالبلاد في انتخابات رئاسية وتشريعية ليست مستعدة لها في اللحظة الراهنة، أو ربما في نفق مغامرين انقلابيين لليسار الاستئصالي تاريخ دموي فيه.
القصرين، المحرار، ترسل إلى الوطن برسائل إيجابية مفادها أنها مدرسة للثورة، والاحتجاج السلمي، والدفاع عن قضايا الحق والعدل، وأنها إلى جانب ذلك عصية على الفوضى والإرهاب والعدوان، وبأن الجهات التي تتهم أبناءها زورا وبهتانا بالفوضى، ابتليت بأحدث أعنف وعدوان أقسى، وأن الصور الأكثر رداءة ووخزا لضمائر بعض الجانحين من أبناء الوطن لم تصدر هذه المرة، كما في غيرها من القصرين.
حمى الله تونس، حمى الله القصرين، وردّ كيد المفسدين والمعتدين إلى نحورهم.




