سالم لبيض
لا أحد من الطبقة السياسية والنخب الفكرية وخاصة من مؤرخي الزمن الحاضر يستطيع أن يتجاهل الظاهرة الاحتجاجية الاجتماعية والسياسية والحركات الاجتماعية التي تقف وراءها، ما جعل منها موضوع اختصاص سوسيولوجي متميز يدرّس في أقسام علم الاجتماع بالجامعات التونسية.
جذور الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية في تونس تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر مع انتفاضة علي بن غذاهم سنة 1864 ضد حكم محمد الصادق باي التي شاركت فيها أغلب القبائل التونسية في أعماق البلاد وفي سواحلها، بعد أن أُثقل كاهلها بالأتوات والضرائب والمكوس. في مشهد مشابه خرجت نفس القبائل تمردا على نفس الحاكم حاملة السلاح هذه المرّة بسبب توقيعه على اتفاقية باردو في 12 ماي 1881 التي أدت إلى احتلال تونس من قبل الفرنسيين تحت مسمى الحماية، واستمرت انتفاضتها المسلحة ثلاث سنوات ولم تخمد إلا بوفاة زعيمها علي بن خليفة بالبلاد الطرابلسية سنة 1884. لكن الانتفاضات الاحتجاجية الكبرى الوازنة عرفتها تونس في ظلّ الدولة الوطنية مع حكم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة سنتي 1978 و1984 وهو ما شكّل مفارقة حقيقية أسالت حبرا كثيرا وتأويلات عديدة وتبادل للتهم حتى بعد مرور زمن طويل على اندلاعها فالسؤال لا يزال قائما كيف تكون الدولة وطنية ويهبّ الشعب في وجهها في أكثر من مناسبة فتسيل الدماء وتسقط الأرواح. الانتفاضة الأولى نتجت عن حركة عمالية عميقة كانت تنزع نحو فكّ الارتباط بين المنظمة النقابية الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يحمل إرث النضالين الوطني والنقابي الذي أدى إلى دحر الاستعمار، والدولة-الحزب المركب الذي كان سائدا آنذاك وهيمن على الحياة السياسية وكيّف المجتمع ثقافيا وانثروبولوجيا لعقود طويلة وفق رؤية قادة البلاد من الدستوريون الجدد. لقد قدّم العمال والنقابيون تضحيات كبيرة فسقط من بينهم الشهداء في الخميس الأسود في 26 جانفي 1978 واقتيد المئات منهم إلى السجون والمحاكم والمعتقلات. أما الانتفاضة الثانية فقد عرفتها البلاد بعد ذلك التاريخ بست سنوات وتحديدا سنة 1984 عندما خرجت الجموع الغفيرة في أغلب المدن والقرى رافضة الزيادة في سعر المواد الغذائية الأساسية، وكانت النتيجة سقوط عشرات الشهداء وامتلاء السجون والمعتقلات وتخريب المنشأة العمومية والأملاك الخاصة.
لم تتوقف الانتفاضات والهبّات الاجتماعية في تونس عند حدود النصف الثاني من القرن العشرين الذي كان مشبعا وصاخبا بنتائج فعالية حركات التحرر وظهور التشكيلات الأيديولوجية والسياسية الجديدة بتياراتها القومية العربية واليسارية والإسلامية التي نشأت وكبرت في الوسط الطلابي بوصفه حاضنة، خصبة وأفرزت جميعها معارضات سياسية نحت تحت آثار قمع السلطة لها وإقصائها من المشاركة السياسية والاستفراد بالحكم منحى عنيفا في سلوكها السياسي. استؤنفت الحركات الاحتجاجية في ظل حكم الرئيس الأسبق المخلوع زين العابدين بن علي في انتفاضة عارمة بدأت يوم 17 ديسمبر بسيدي بوزيد وانتهت يوم 14 جانفي 2011 بهروب رئيس الدولة والشروع في تفكيك مؤسسات نظامه من مجلسي نواب ومستشارين وتعطيل العمل بالدستور وتغيير صبغة النظام السياسي ليصبح برلمانيا بعد أن كان رئاسيا، ودخول المعرضات الراديكالية بأيديولوجياتها المختلفة بيت الطاعة السياسية ليروّضوا في مؤسسات الدولة فينزاحوا من العداء للدولة إلى معارضة السلطة وممارسة السياسة في كنف القانون، وهذ الأمر ما كان ليتحقق لو لا التدرج الذي تم من الانتفاضة إلى الثورة، فوحدها الثورات تستطيع تحويل العداء للدولة إلى نقيضه. وفي حين فشلت كافة الانتفاضات والحركات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها تونس في النصف الثاني من القرن العشرين في تحقيق أهداف سياسية، إذا ما استثنينا الأثر المحدود لوقائع 26 جانفي 1978 النقابية وأحداث قفصة المسلحة في 27 جانفي 1980 على انتخابات 1981 التي سرعان ما عرفت تزويرا مفضوحا من قبل الحكم البورقيبي، فإن انتفاضة 17 ديسمبر 14 جانفي هي الوحيدة التي حققت نتائج سياسية نوعية وأتت على رأس النظام قبل أن تأتي على مؤسساته لتبشّر بمفاهيم وقوى سياسية جديدة وفق مقاربة ليبرالية صرفة مازالت تلقى الانتقادات أو التأييد بحسب الموقع السياسي الذي يحتله كل فريق. وعلى هذه الأرضية تشهد المدن والقرى والأرياف التونسية احتجاجات اجتماعية كثيرة تأخذ شكل المظاهرات والمسيرات والإضرابات والاعتصامات وإضرابات الجوع العادية والمتوحشة، الغاية من أغلبها تحقيق مطالب قطاعية في ظل نزعات الكوربوراتيزم المتنامية وعودة النقابي ليحتلّ مكانا متقدما حتى على حساب السياسي والأيديولوجي. ومن أبرز الحركات الاحتجاجية التي اتسع نطاقها بسرعة وأخمدت بصفة أسرع الأحداث التي عرفتها البلاد في مطلع سنتي 2016 و2018 كردّ على سياسات الائتلاف الحاكم التي أدت إلى استفحال الفقر والبطالة والجريمة وتوقف الدولة عن الإنتدابات ناهيك عن تهاوي الدينار وارتفاع حجم المديونية والعجز في الميزان التجاري وانتهاك سيادة الدولة، وهي أحداث استثمرتها قوى سياسية مازالت تحن إلى راديكاليتها السياسية في ظل فسح المجال أمامها للمشاركة السياسية، وفي الآن نفسه وظفتها لوبيات وقوى سياسية وفاعلين إقليميين ومحليين لتخريب منطلقاتها الاحتجاجية السلمية والمدنية ودعائمها الدستورية والقانونية وحتى تغيير خارطة الحكم وفق توزيعية جديدة، ما يجعل أصحاب النوايا الحسنة من المحتجين لا يستفيدون من احتجاجاتهم، هذا إذا لم يقع اقتيادهم إلى السجون والمعتقلات ومحاكمتهم بتهمة التخريب والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة.
كل ما سلف يخلص إلى أن حركة 17 ديسمبر الاحتجاجية التي انتهت بثورة شعبية هي وحدها التي تمكنت من تحقيق أهداف سياسية جذرية بعد مرور قرن ونصف من التراكم الإحتجاجي والفعل الثوري والمعارضات السياسية والعمل الأيديولوجي وتأثير النخب الفكرية.




