أحمد المشرقي
أن تذهب الأحزاب في اتجاه الاندماج والتكتلات فهو من الأمور المحمودة عموما بل إن هذه الاندماجية تصبح من الضرورات الفعلية أو هي من الحاجات المصيرية عندما نتأمل الوضع السياسي في تونس. فالتشتت الحزبي وكثرة الدكاكين الحزبية لا يعبّر عن نضج بلغه أهل السياسة حيث لا يعبّر تشتتهم هذا إلا عن لعب طفولي أو رغبات بدائية مرتبطة بأهداف شخصية نفسية أو مادية .
من يدرك الحاجة إلى التوحّد والاندماج داخل الأحزاب لا يسعه إلا مباركة أي اتحاد أو جبهة أو ائتلاف قد تشكل أو هو في إطار التشكل ولكن هذه المباركة وهذا التأييد لا يجب أن يخفي علينا الأسئلة الحقيقية ومن أهمها: ماهي أسس هذه الاندماجية؟ هل هي ناتجة عن وعي حقيقي أو هي بنت وعي مراوغ؟ ما الذي يمكنها من النجاح وتجاوز الفشل الذي أصبح ملازما لمن أنجزوها من قبل؟
المتأمل لهذه التكتلات يرى أنها جاءت متسرعة وفي عشية عمليات انتخابية فلم نسمع عن مراجعات فعلية ولا تقييم موضوعي سبقها، فبين من كان داعما للحكومة وبين من كان معارضا وثالث كان يشرف من الربوة دون أن يكون من أولئك ولا من هؤلاء مسافات متباعدة لا نعلم كيف ذللت فقد طويت في ليلة واحدة وبسرعة برقية. ويبدو أن موضوع التقييم والمراجعة بعيد المنال على الطبقات والنخب التونسية عموما فمثل هذه الثقافة لم تترسخ بعد فهي تحتاج إلى جرأة عقلية وإرادة حقيقية ومسؤولية مضاعفة، إضافة إلى غياب التقييم الذي ينم عن عقل يقظ ومفتوح تغيب الرؤية الواضحة وتندثر تحت مفعول الرغبة الجامحة في التموقع والمزاحمة، فمن يتأمل مرجعية هذه الأحزاب لا يجد لها روابط مرجعية ولا توحّد في البرامج الاقتصادية وانتماءاتها بل حالة التناقض والضدية هي سيدة الموقف، فبين حزب موغل في الليبرالية الاقتصادية وبين آخر يتبنى البعد الاجتماعي في أطروحاته الاقتصادية مسافات لا نعرف كيف ذللت ولا كيف طويت والتناقض عينه يسري على الرؤية المتعلقة بالانتماء للمحيط الإقليمي والدولي فحزب يعبر في عمق أطروحاته عن انتماءه العروبي وعن تمسكه بالبعد القومي ويعتبره مركزيا في مكوناته النظرية وأدائها العملي لا نعلم كيف اندمج وبسرعة البرق مع حزب يعلن ويمارس هجرانه لهذه الرضية القومية وتنكره لها .
سياسة الضد والتأسيس لاتحادات تحت ضرورتها أو رغبة في إنجاز معاني الضدية لا أعتقد أنه السبيل الحقيقي للتوصل إلى توحد فاعل فإذا كان هذا الأمر قد نجح في لحظة تاريخية معينة فلا يعني ذلك أنه سينجح فيما بعدها ومن لا يدرك تغير الأحوال داخل المجال التاريخي فسوف يجد نفسه يفعل خارجه. فبالأمس كان التوحد ضد النهضة واليوم يتم التسويق بأنه ضد النهضة والنداء في غياب كلي للبرنامج وطرح الحلول الفعلية التي تعيد للمواطن الأمل وتساعد الوطن على السير قدما في طريق الإصلاح والمراجعات الكبرى، بل يتعجب المتابع لما يجري على خارطة الأحزاب وداخل أرض الوطن الذي يئن من الجراح من هذه السلوكيات التي لا تعبر عن وعي عميق أو رؤية مبدعة للحلول.
لقد تداعى شيوخ الأحزاب ولا نعرف منهم أحدا عنوانا للنجاح بل كلهم في تجربته السياسية إما قاد حزبه إلى الفشل أو كان عنوان فشل يوم أن تولى مقاليد الدولة والحكم وعوض أن يعلنوا عن هذه النكسات ويعمقوا إمكانات مراجعتها يتناسون كل ذلك بضرب من التحايل على وعي التونسيين وكأن أبناء هذا الوطن ليست لهم ذاكرة أو هم لا يملكون عقولا بها يقدرون على التمييز. كنت سأبارك هذا التوحد لو كانت له أسس واقعية ومراجعه النظرية لأنني أعتبر أنه حاجة فعلية وضرورة واقعية، فحالة التذرية والتشتت الذي أصبح يطبع الحياة السياسية يعيق الفعل السياسي ويشوهه ولكن ما أخشاه أن تبنى تحالفاتنا على مقدمات مغشوشة وعلى الخواء المضموني والترصد النفعي فلا نجني من وراء كل ذلك إلا هدر الطاقات ومزيدا من إضاعة الفرص.
الطريق الثالث طريق مشروع ووجهته واضحة ولكن من يريد أن يسلكه فعليه أن يتزوّد بما يجعل سيره آمنا وبلوغ غاياته واضحا وخير الزاد في هذه المنعرجات الحاسمة تمثل أهداف الوطن وتطلعات التونسيين بكل صدق وباقتراح حلولا للمشكلات التي تعترض هذا الوطن وهو يستجمع قوته نحو الانطلاق. ولا يكون ذلك بزعامات مغشوشة ولا بكيانات منتفخة فمنطق الزعامة وتصدر المرحلة قد تقضي عليه تعدد الزعامات والأمل في التوصل إلى الطريق الثالث قد تقطعه الرغبات الذاتية وتبطله الكيانات المنتفخة. التوحد يكون أصدق عندما تجمعه الأفكار والاندماج يكون أسهل عندما تعبده المراجعات والنقد الذاتي فمتي يكون المولود في صحة جيدة يحتاج إلى الرعاية والوقاية ولا أظن أن هذه الرعاية أو الوقاية قد شملت هذا المولود الجديد ولذلك سيكون حاملا لأمراض فنائه أو متلبسا بإعاقة تصاحبه طوال حياته .




