حاورته جليلة فرج
الرسم يمثل ثمرة انصهار التربة بالماء والعروق بالأغصان والجميع بعرق الفلاح، علاقة الإبداعي بالثقافي مهمة لصياغة الأسئلة التي تنقذ الفن من عماء الحرفية والتخصص وتفتح أمام الثقافي حيوية ذلك الانفلات الذي يميز الفن، عندما يكون الفن ضرورة باطنية فإن لا شيء في الكون يمكنه أن يمنع سيرك فيه، ما تلفظه البرية أوسع وأثرى مما يمكن أن تنتجه المؤسسات الرسمية لفائدة الفنون والثقافة في وطن ما، هذا بعض ما قاله الفنان التشكيلي عمر غدامسي في حوار “الرأي العام”.
كيف يمكن أن تقدّم نفسك للقرّاء؟
بدأت الكتابة قبل الرسم، في صحافة المعارضة وأنا تلميذ في أواسط الثمانينات، في حقبة ما سمي آنذاك بالمسار الديمقراطي، ثم جاءت الكتابة القصصية وهي التي فتحت لي الطريق للفن التشكيلي والذي أغامر فيه إلى جانب الكتابة عن الفن وواقعه وجمالياته منذ سنة 1997 عندما سمحت لي جريدة “الصحافة” بإصدار ملحق أسبوعي عنوانه “الرواق” وهو مستمر إلى اليوم، رغم ما عرفه مرات من توقف بسبب الرقابة، إلى جانب الكتابة في دوريات مختصة عربية. ضمن كل هذا فإن همّي الأساسي هو كيف يمكن استعادة علاقة الإبداعي بالثقافي وهي علاقة كانت موجودة مع جيل ما قبل الاستقلال الوطني وهي التي أنتجت كل تلك التيارات الفنية التي عرفها العالم منذ الانطباعية. اليوم لم يعد بالإمكان إنتاج تيارات فنية، لكن علاقة الإبداعي بالثقافي مهمة لصياغة الأسئلة التي تنقذ الفن من عماء الحرفية والتخصص وتفتح أمام الثقافي حيوية ذلك الانفلات الذي يميز الفن، وذلك ضمن رؤى متعددة وسجالية ولكنها تنتمي لنبضنا وتقطع مع الأساليب الفنية الاستعمارية الموروثة والمستمرة إلى اليوم باسم الفنّ المعاصر.
متى كانت بداياتك مع الفن التشكيلي؟
البداية كانت من خلال الكتابة القصصية كيف أرسم حالات ليس بالمعنى الوصفي بل بالمعنى التركيبي لنقل صور تعبيرية أو كيف أنجز تنصيبة بالكلمات. في إحدى القصص جعلت الراوي يصف مجموعة من أحواض الأكواريوم متناثرة وهي تطفوا في البحر وفي داخلها تلك الأسماك الملونة الصغيرة. ظهوري الأول في المعارض كان في أواسط التسعينات ضمن معارض جماعية بالفضاء الحر بالتياترو، والتي مثلت تجربة مميزة كانت أقرب إلى المختبر وتقديم الجديد والمرفوق بالنقاش الفكري والنقدي وجمعت ثلة من الفنانين الشباب آنذاك إلى جانب فنانين سابقين كبار مثل الحبيب بوعبانة ونجيب بلخوجة والأمين ساسي. معرضي الشخصي الأول كان بنفس الفضاء سنة 2000 تحت عنوان “صنع العبارة”، ثم تعددت المعارض الشخصية بأروقة خاصة أخرى مثل “رواق الضامة” وفي “فضاء صديقة” حيث نظمت هناك أغلب معارضي الشخصية كان آخرها في شهر جوان 2017. إلى جانب مشاركات دولية كبري في بلدان عديدة مثل فرنسا وألمانيا واليونان وطهران ودبي والدوحة.
هل كان الرسم بالنسبة إليك موهبة طوّرتها بمجهود شخصي أم موهبة طوّرتها بالدراسة؟
الاثنين معا إذ تلقيت تكوينا أول بالمركز الثقافي الإيطالي على يد الفنان سيلفان مونتليوني وهو الذي دعاني للعرض سنة 2005 برواق الضامة الذي يشرف عليه وكذلك بمركز الفن الحي برادس. كما أن علاقتي بعديد الفنانين الذين عايشتهم عن قرب مثل الحبيب بوعبانة ونجيب بلخوجة ساعدتني على اكتشاف الكثير، أيضا كانت هناك ورشات مهرجان المحرس الدولي والتي لم أتخلف عن حضورها منذ سنة 1996، إلا خلال السنوات الأخيرة، مكنتني من الاستفادة من فنانين كبار، كل هذا ساعدني على اكتشاف وامتلاك الكثير من التقنيات، في المقابل كانت لي رحلة طويلة لاكتشاف أسلوبي الخاص والذي يختلف عن ما يوجد في الساحة، وربما هذا يعود إلى خصوصية المسار ذاته الذي قادني إلى الفن.
وماهي خاصيات أسلوب الفنان التشكيلي عمر غدامسي؟
يمكنني وصفه بالأسلوب المتصل ببيئته المحلية، أنا أعتمد على خامات بسيطة تتميز بتأثيرات الزمن والطبيعة مثل الكبسولات وأوراق المعلقات الاشهارية أو أغلفة الشاي. عملي عموما يأخذ بعدين، بعد أول يخص البحث وصيد تلك الخامات في الشارع وهو بعد إنشائي إن صح التعبير، وبعد ثان داخل المرسم يقوم على محاورة تلك الخامات والاشتغال معها لتكون جزءا مما سيسمي لوحة. أعتقد أن لتلك الخامات حياة خاصة وذاكرة ومن خلالها أشتغل أساسا على عناصر مثل الهشاشة والزمن والتحوّل والزوال.
وإلى أي مدرسة فنية تتجه أعمالك؟
لا أنتمي إلى مدرسة بل إلى رؤية مفتوحة، تجاربي الأولى كانت متأثرة بفن الكهوف على مستوى نوعية الألوان والتكوينات، وكان ذلك في الأصل إعلان عن حالة انتماء للفن بمرجعية فريدة تعكس حالة انصهار الممارسة اليدوية بالقلق الاجتماعي وبالقلق الوجودي أو الفلسفي، فهل أن رسومات الكهوف كانت تصوّر رحلات الصيد من أجل البقاء على قيد الحياة، أم أنها كانت تصوّر أيضا الحياة بأسئلتها العميقة؟ هناك أطروحات يعتقد البعض أنها متضاربة في هذا الشأن في حين أنني لا أراها كذلك. جل معارضي كانت تحت عنوان واحد وهو “رشم” وهي كلمة موجودة في لهجتنا التونسية وتعني “الأثر” و”الشهادة” وهي تحمل نفس المعنى المذكور في لسان العرب ولكنها أيضا تعني الثمرة إذ يقال في العربية “ارتشم الشجر” أي أخرج ثماره. فالرسم هنا يمثل ثمرة انصهار التربة بالماء والعروق بالأغصان والجميع بعرق الفلاح. حالة الانهاك في العمل الفني ليس مجرد تقنية بل هو بالأساس معنى موصول ببقية العناصر التي ستكون منها الثمرة لذلك أترك أثره في لوحاتي وهو ما يمكن تبينه بسهولة من خلال دقة ما يبدو عمل حرفي أو تقني في اللوحة. أما ما يسمى بالتيارات الفنية فهي كانت وليدة أزمات الفن في أوروبا والذي كان عليه دوما أن يجدد نفسه لكي يستمر ولم تكن أبدا وليدة ثقافات الشرق الروحية والتي لم تحتاج لكلمة فنان لكي تبتكر فنا.
هل أن اللوحة بالنسبة إليك هي بناء عقلاني أم هي ميلاد روحي؟
الفن استعادة لذلك المثلث المفقود والذي يجمع بين وحدة العقل والقلب واليد، ضمنه تنصهر تلك العناصر وتتوحد في دائرة تبدو أنها تنتمي للمجهول لكنها في الحقيقة هي أقرب إلينا من حبل الوريد. إنها علاقة ينتفي ضمنها ذلك التقسيم النمطي والمتوارث للعمل والذي أربك الإنسانية وأصابها بالاغتراب.
برأيك، ما هو مفهوم الفن بشكل عام والرسم بشكل خاص في نظرك؟
لا أحمل قناعات محددة وجازمة لأن الفن يمتلك تلك الطاقة على الانفلات ليوسع مداركنا حول مفهومه أوّلا وحول وجودنا وطرق رؤيتنا للأشياء ثانيا.
هل للفنّ التشكيلي علاقة مع بقية الفنون الأخرى كالأدب، والسينما والمسرح والشعر، وهل هذه العلاقة متنافرة أم متداخلة أم ماذا؟
هناك طبعا خصائص تميز كل فن، لكن هناك أيضا ما يسميه الناقد البريطاني كلايف بل بالشكل الدال وهو يعني التشكيل الفريد والأصيل للأثر الفني، مهما كان جنسه أو زمنه.
هل أثرت التقنيات الحديثة على الفن التشكيلي؟
التكنولوجيات الحديثة أوجدت أساليب فنية توصف بالمعاصرة، وهي بالنسبة إلينا في تونس لم يكن لها تأثير بارز، بل كانت أقرب إلى الموضة وعلى درجة عالية من البرود والاصطناع وحتى استنساخ أعمال من الخارج، فهذه الفنون والتي تسمى معاصرة تقوم أساسا على مباحث مفاهيمية، وهو ما يفتقد إليه الفنانون في تونس ممن يحاولون تقديم أعمال تعتمد التكنولوجيات الحديثة.
لماذا وصفت أيام قرطاج الدولية للفنون التشكيلية التي لم تولد بعد بالشعبوية التي تهدّد البناء؟
عندما تمّ الإعلان عن إحداث هذه الأيام، كنا نعتقد أن النقاش حولها سيكون حول مفهومها وأهدافها إلا أنه تحوّل إلى نقاش سطحي وانتهازي حول من سيكون رئيسا لهذه التظاهرة ومن سيشارك فيها من الفنانين وما إلى ذلك من الظواهر المؤسفة، وهي ظاهرة تعبر في عمومها عن حالة الإفلاس الذي تعيشه الساحة والتي تفتقد إلى كل سجال فكري ونقدي، حتى الجامعيين ممن خيروا طوعا الانضمام إلى المشهد الفني والثقافي بكل ما يفرضه ذلك من مساهمات وواجبات اعتبارية نرى أقلامهم غائبة ولا تساهم في ترجيح الكفة نحو بناء فكر نقدي وثقافي يخص قضايا القطاع.
نجد أن هناك فنانين تشكيلين يظهرون على الساحة التشكيلية بعضهم يبقى ويصمد والبعض الأخر يتوقّف ويختفي؟
هذه ظاهرة عامة وكونية، فالفن ليس بالأمر السهل ومن يختار السير فيه عليه أن لا ينتظر المقابل. لا أحد طلب منا أن نكون فنانين، أنا شخصيا لا أعتبر نفسي فنانا لأن هذه الصفة لا يجب أن تمثل هوية أو مكانة في سلم المجتمع. نحن مجرد كائنات تبحث عن المعاني وعن أفق لمجتمعها من خلال الفن، غيرنا في وظائف أخرى قد يبحث عن نفس الشيء بوسائل مغايرة. عموما عندما يكون الفن ضرورة باطنية، فإن لا شيء في الكون يمكنه أن يمنع سيرك فيه.
برأيك ما الذي ينتظره الفنان التشكيلي من وزارة الشؤون الثقافية؟
وزارة الشؤون الثقافية تعيش نفس ذلك المخاض الصعب الذي يميز كل مرحلة انتقال ديمقراطي بزخمها وهشاشتها، أعتقد أنه لا يمكننا التغاضي عن جملة التحولات الكبرى المفروضة علينا جميعا، لذلك فإن الحاجة أصبحت مؤكدة للإصلاح على مستوى القوانين والتشريعات، هناك خطوات مهمة في هذا الجانب من طرف وزارة الشؤون الثقافية، لكن لا يزال هناك الكثير مما علينا فعله ونجاحه يبقي رهين إدراكنا لجملة من الرهانات الأساسية، فالدولة لها واجبات تحصينية مؤكدة نحو الفنون والثقافة، لكنها في ذات الوقت هي تتهيأ لذلك التحوّل الكبير من دولة وصاية ورعاية إلى دولة مواطنين ومؤسسات. أعتقد أيضا بأننا لازلنا نعاني من مشكلة التباينات بين المفاهيم فأن نفكر في الفن شيء وأن نفكر في الفنانين شيء آخر وأن نفكر مثلا في سوق فنية شيء مختلف تماما.
وما المشكلات أو العقبات التي تواجه الفنانين التشكيليين التونسيين؟
المشكلات عديدة تخص جملة القوانين التي تحتاج إلى إصلاح ومراجعات، كقانون لجنة الشراءات وإجراءات خروج الأعمال الفنية التونسية للخارج وضرورة إحداث مركز وطني للفنون التشكيلية. هذا بالنسبة إلى علاقة القطاع بالوزارة، هذه المشكلات أعتقد بأنها ستجد طريقها إلى الحل في المستقبل القريب إذ لا ننفي العمل الهام الذي تقوم به الوزارة حاليا، كمشروع بعث المتحف وكذلك إنقاذ الرصيد الوطني من الأعمال الفنية وعدة مبادرات أخرى قامت بها لتعزيز الشفافية والتشاركية. في المقابل فإن القطاع يعاني من مشكلات من داخله وفي استقلالية عن دور الوزارة، بعضها يعود إلى العلاقة الموروثة بين الفنانين والوزارة وبعضها إلى الطبيعة الفردانية في عمل الفنانين التشكيليين، حيث أن طبيعة عملهم تشبه الكتاب ولا تقوم على التداخل والتكامل بين مهن وتخصصات متعددة، كالتي نجدها في الموسيقى أو السنيما أو المسرح، وهذا غذى مسالك حلول وذهنيات مخصوصة.
عموما، كيف ترى واقع الفن التشكيلي في تونس؟ وكيف تستشرف مستقبل هذا الفن؟
الفن التشكيلي في تونس له إمكانات كبرى للانتشار ولمزيد التنوع والرهان الأساسي في كيفية منح كل ذلك الزخم طاقة أوسع، سواء بوسائل تشريعية ومؤسساتية أو بمحامل تشبك علاقته بمحيطه الثقافي والنقدي أو الآخر التسويقي. الأهم هو تعلم التفكير والبناء ضمن رؤية متكاملة تعي حدود الفصل والوصل بين جملة التباينات الموجودة. عموما سيبقى هذا الفن يتغذى من الديناميكية الداخلية للمجتمع في توسع مجاله الهامشي فما تلفظه البرية أوسع وأثرى مما يمكن أن تنتجه المؤسسات الرسمية لفائدة الفنون والثقافة في وطن ما، ذلك وكما أسلفت القول هو فن فرداني مثل الكتابة ومسارات تاريخ هذا الفن في بلادنا وفي كل العالم تؤكد هذه الحقيقة.




