فايزة الناصر
مع اقتراب موعد الانتخابات البلدية التي حدد موعدها يوم 6 ماي 2018، ومع تسارع نسق استعدادات الأحزاب لهذا الاستحقاق، يتكشف للمتابع للشأن التونسي أزمة عميقة يعيشها المشهد الحزبي التونسي التي لم تعد أي حجب قادرة على سترها.. أزمة تعرّي يوما بعد يوم مشكلات الأحزاب في بلدنا التي تتجلى من خلال ضعفها ووهنها وتحلّلها..
يقول جورج بوردو (gorges burdeau) أستاذ العلوم السياسية في تعريفه للحزب بأنه: “تنظيم يضم مجموعة من الأفراد بنفس الرؤية السياسية، تعمل على وضع أفكارها موضوع التنفيذ وذلك بالعمل في آن واحد على ضمّ أكبر عدد ممكن من المواطنين إلى صفوفهم وعلى تولي الحكم أو على الأقل التأثير على قرارات السلطات الحاكمة” وهذا يعتبر أكثر التعريفات شيوعا لمفهوم الأحزاب.. فهل ينطبق هذا التعريف على الأحزاب السياسية في مجتمعنا التونسي اليوم؟ وهل يكون ما نراه منذ الثورة وحتى ما قبلها أحزابا بالمعنى الدقيق للمفهوم؟
فتح سقوط النظام الحاكم في تونس باب المشاركة السياسية على مصراعيه. فتكاثرت الأحزاب نتيجة اغتنام فرصة تنظيم أنفسهم سياسيّا وجعل أصواتهم مسموعة في العملية الديمقراطية، حتى فاق عدد الأحزاب المائة حزب سياسي.
في حين أنّ الغالبية العظمى من هذه الأحزاب الجديدة فشلت واقعيّا في القيام بأكثر من التسجيل لدى الحكومة، بما أنّها لم تقم بشيء لتثبت وجودها على الأرض. وعلى الرغم من أنّ الكثير من هذه القوى لعبت دورا نشطا خلال الثورة وبعدها إلا أنّها واجهت صعوبة في تطوير هويّات متّسقة، وإنشاء قواعد دعم فاعلة، وبناء قواعد انتخابية صلبة وفي الحفاظ على وحدتها وتماسكها. وحتى تلك الأحزاب التي ظهرت إعلاميّا وكأنها لاعبة رئيسية، فشلت عموما في تحقيق أي تأثير انتخابيّ مهمّ في انتخابات المجلس التأسيسي أو في البرلمانية، عدى حزب حركة النهضة الذي سجّل الأداء الأفضل، وهو حزب أنشأ قواعد فاعلة وصلبة ومستدامة على المستوى الشعبي لعقود خلت وطوّر منظومته التنظيمية والهيكلية ورسّخ تقاليد ديمقراطية حزبية داخله وبنى مؤسسات قوية وفاعلة ومنظمة..
ومن ثمة يصعب إذا سحب مفهوم الأحزاب على ما نراه منذ الثورة من تكتلات أو جماعات أو تنظيمات سياسية تطلق على نفسها اسم أحزاب، لو استثنيا الحزب الدستوري وحزب حركة النهضة..
فأغلب الأحزاب والحركات السياسيّة تعاني في تونس من مشاكل بنيوية وهيكلية مختلفة، ما بين الضعف التنظيمي والمؤسسي، وضبابية الرؤية السياسية، وافتقاد الديمقراطية الداخلية، وتمحور بعضها حول شخوص مؤسسيها، وكذلك ضعف تواصلها مع الجماهير.. وظلّت أغلب التجارب الحزبيّة في تونس محكومة بردّ الفعل أكثر منه بالفعل..
فتقريبا تملك جميع الأحزاب مناهجا وخططا غامضة ومتخلّفة. والنتيجة مستنقع من المنظمات السياسية المتشابهة التي يكاد يستحيل على الناخبين التمييز في ما بينها. وقد تفاقم الوضع بسبب افتقار الأحزاب إلى خطط وبرامج واضحة. فليس لديها سوى القليل لتقدّمه إلى الناخبين الذين يرغبون في التواصل معها. و يعزى هذا القصور جزئيّا إلى نقص خبرة الأحزاب في الحوكمة، فقد تمّ استبعاد المواطنين من عملية صنع السياسات في ظلّ الأنظمة السابقة، وبالتالي، كان من الصعب عليهم طرح مقترحات سياسية جذّابة وواقعيّة.
عقدة الزعيم أو شيخ القبيلة..
كما أنّ الأحزاب التي تأسّست منذ الثورة إلى اليوم لم تبن على أساس برامج مضبوطة، ولا رؤية لها واضحة لتطوير البلاد وواقع حياة الناس عبر قوة الاقتراح واتساع المخيّلة، بقدر ما كانت في أغلبها مجرّد تلبية لرغبة محمومة في الزعامة، ولتضخّم الذات. لذا تحوّلت العديد منها إلى شبه “قبيلة” يصبح فيها رئيس الحزب أو الأمين العام شيخ قبيلة، يتزلّف إليه المريدون، ويناشده المناشدون، حتى بدت أقرب ما يكون إلى نماذج مصغرة لدكتاتورية قد تتفجّر حالما يصل أيّ من هذه الأحزاب إلى السلطة. وربما ذلك ما يفسّر فشل العديد من التحالفات والاندماجات التي تمت بين بعض الأحزاب، فبمجرّد أن يتمّ الاندماج تتصاعد حرب الزعامات وتعجز الوساطة عن إيجاد حلّ توافقي فتنتصر الرغبة الزعاماتية وتفشل التحالفات وتذهب ريحها. فغالبا ما اعتمدت هذه الأحزاب على شخصيات مؤسّسيها بدلا من التركيز على برامج واضحة، الأمر الذي جعلها غير قابلة للاستدامة على المدى البعيد، وأثار الشكّ في صفوف المواطنين من أن يكون هدف هذه الأحزاب الحقيقي هو تمجيد شخصية الأفراد عوضا عن رفاه الشعب.
وهذا يعني أنه بمجرّد اختفاء الأشخاص تختفي الشعارات وربما يتهاوى الحزب برمته.. في حين أن المهمّة الحقيقية للحزب السياسي هي تربية الكوادر السياسية، وهو أمر لا نجد له وجودا في غالبية أحزابنا على نحو أدى إلى فقر الحياة السياسية من الكوادر وضعف القيادات عموما.. لقد باتت العديد من الأحزاب تستنسخ تجربة النظام السابق بآليات وطرائق مختلفة رغم أنّ كلا منها يصدح بشعاراته عن الديمقراطية وتطوير الحياة السياسية والمستقبل الواعد الذي ينتظر التونسيين على أيديهم بشكل يدعو للسخرية.. فكل حزب بات يقف خلف قائده وزعيمه الأوحد ليذكرنا بصورة القائد الضرورة أو القائد المخلّص التي ألقت بظلالها المقيتة على المجتمع التونسي طيلة عقود وحولته إلى ساحة لتمجيد القائد أو الزعيم التاريخي رغم كل الإفلاس السياسي الذي كان يتمتع به.
العامل الآخر هو الإيديولوجيات العلمانية القديمة مثل القومية والبعثية والاشتراكية التي لم تعدّ متلائمة مع المشاكل التي تعانيها مجتمعاتنا اليوم. فالوصفات السياسية التي تقدّمها هذه التيارات ليست سوى شعارات واهنة لا تقدم طرقا جديدة ومبتكرة للترويج بشكل مقنع للحلول السياسية الحقيقية التي تتصدّى لتحديات إيجاد فرص العمل، وضمان الحراك الاقتصادي، وتعزيز الاستثمار، وتحقيق المساواة أمام القانون، ومكافحة الفساد، وضمان تمثيل سياسي أوسع وأكثر عدلا. فالإيديولوجيات البالية لم تعد تروق للناخبين اليوم ولا تقدّم لهم حلولا فاعلة، وبالتالي، تنشأ هذه الأحزاب في ظلّ غياب قاعدة اجتماعية قوية. كما أن هذه الاحزاب التي يحكمها العامل الإيديولوجي تفتقر إلى أساليب الحوار السياسي الراقية واحترام آداب الاختلاف.. وهي لا تتوقف عن تسفيه آراء الآخرين ومواقفهم، معتقدة أن الضجيج والصياح والتراشق بالكلمات وتبادل الاتهامات، يمثل مناخا صحيّا لحياة حزبية سليمة..
لن تتمكّن الأحزاب العلمانية التقليدية أو الجديدة في تونس، بين ليلة وضحاها، من إقامة القواعد الاجتماعية الشاملة نفسها التي أقامتها حركة النهضة مثلا، وعليها أن تضع استراتيجيات تتيح لها الوصول، على المدى الطويل، إلى القواعد الاجتماعية من خلال مراجعة بناها وهياكلها ورؤاها ومنطلقاتها، أما استخدام الإعلام للتعبير، كما يفعل العديد منها، فهو بداية لكنه لن يجعلها أحزابا حقيقية ولن يمكنها من الوصول إلى القواعد بشكل فعّال ومقنع.




