Warning: include_once(/home/clients/3c9d2c3860459333cfb9400d8b39cf00/thestatement.eu/wp-content/plugins/wp-super-cache/wp-cache-phase1.php): failed to open stream: No such file or directory in /home/clients/3c9d2c3860459333cfb9400d8b39cf00/thestatement.eu/wp-content/advanced-cache.php on line 22

Warning: include_once(): Failed opening '/home/clients/3c9d2c3860459333cfb9400d8b39cf00/thestatement.eu/wp-content/plugins/wp-super-cache/wp-cache-phase1.php' for inclusion (include_path='.:/opt/php7.2/lib/php') in /home/clients/3c9d2c3860459333cfb9400d8b39cf00/thestatement.eu/wp-content/advanced-cache.php on line 22

Warning: Use of undefined constant REQUEST_URI - assumed 'REQUEST_URI' (this will throw an Error in a future version of PHP) in /home/clients/3c9d2c3860459333cfb9400d8b39cf00/thestatement.eu/wp-content/themes/xtra/functions.php on line 74
تالة .. حين تغتال الرحمة ويستشهد السرور – موقع جريدة الرأي العام

تالة .. حين تغتال الرحمة ويستشهد السرور


 

لطفي هرماسي

(1)

تالة… سقف البلاد التونسية، وأكثر مدنها ارتفاعا على سطح البحر (1044 م)، وإحدى أقدمها تاريخا.

تعاقبت عليها الحضارات، وخلفت فيها من الشواهد ما يؤشر إلى أنها ضاربة في أعماق التاريخ، حاضنة للتواجد البشري منذ ما يزيد عن 7000 سنة.
تالة هي ثاني أقدم بلديّة في الجمهورية التونسيّة، أسست بلديتها سنة 1904، واحتفل متساكنوها يوم الأحد الماضي (4 فيفري 2018) بالذكرى 114 لتأسيسها.
كل المؤشرات، والوثائق، والشواهد تؤكد عراقتها، وعمق ارتباط كل أوجه النشاط بها تاريخيا بالحضارة والعلم والثقافة….

مدرسة فلسطين بتالة تعد أقدم مدرسة في الجمهورية التونسيّة وقد فتحت أبوابها  سنة 1897.
مستشفى تالة هو الآخر أقدم مستشفى في الشمال الغربي (أسّس سنة 1923).. سوقها الأسبوعيّة هي أقدم سوق بكامل المغرب العربي (أسّس سنة 1872).. جامع بن عزوز بها  هو أول فرع لجامع الزيتونة (أسّس سنة  1947).

(2)

كما ساهم فرع جامع الزيتونة بتالة  منذ سنة 1947 في تطوير الوعي الوطني لدى اهاليها الذين خاضوا معركة الكفاح المسلح، وقدموا  خلالها زمرة من خيرة شبابها ومجاهديها البررة شهداء في سبيل تحرير الوطن
عبر التاريخ ظلت مرتفعات تالة وسهولها وهضابها ومياه عيونها تروي ملاحم الرجال، وبطولات الشرفاء حتى جاءت  ثورة الحرية الكرامة لتقدم خلالها نخبة من خيرة شبابها الذين رسموا بأرواحهم ودمائهم الزكية ملحمة بطولية وخلدوا بأحرف من ذهب أسماءهم في سجلات الشرف والبطولة (محمد عمري، أحمد بولعابي، وجدي سائحي، غسان شنيتي، أحمد ياسين رطيبي ومروان جملي).

(3)

في ساعة متأخرة من مساء الاثنين 5  فيفري 2018، اندلع حريق هائل بمبيت الفتيات بمعهد 25 جويلية بتالة، أسفر عن إصابة العشرات من التلميذات، منهن أربع نقلن وهن في حالة خطيرة على جناح السرعة إلى المستشفى الجهوي بالقصرين ليعلن مساء الثلاثاء 6 فيفري عن وفاة طفلتين منهن: رحمة وسرور متأثرتين بحروقهما.

رحمة وسرور.. طفلتان في عمر الزهور، تدرسان بالسنة التاسعة من التعليم الأساسي، لم تتخطيا بعد الخامسة عشرة من عمرهما، ألقت بهما المقادير في غيابات الجب.. جب المبيت بظروفه السيئة، وأكلته البائسة.. طفلتان ضحتا بدفء العائلة، وكسرة الأم، ونظرة الأب الحانية، لمتابعة الدراسة، واستكمال مسارها الطويل الصعب، في المدينة الأكثر برودة على الإطلاق خاصة أيام قرة العزارة، حتى تحققا حلم التفوق والارتقاء في مدارج العرفان.

طفلتان أرسلتهما عائلتاهما في أبهى حلة، فعادتا محترقتين، مفارقتين للحياة، في صندوقين خشبيين.

طفلتان، صديقتان تدرسان في نفس الفصل، وتجلسان على نفس المنضدة، وتبيتان بنفس المبيت،  وبنفس الغرفة، تحترقان في نفس الليلة، وتنقلان في نفس السيارة إلى نفس المستشفى لتفارقا الحياة في نفس اليوم ونفس الأمسية ولتشيعا في نفس اليوم.

رحمة وسرور شهيدتان، تتحمل الدولة ما حدث لهما، لأنهما ضحيتين  لكل الظروف الرديئة التي اجتمعت حولهما.. الفقر، والمعهد، والمبيت، والمستوصف، والمستشفى الذي لم تنطلق أشغال بنائه منذ الإعلان عنه سنة 2012.

(4)

رحمة وسرور وصمة عار في جبين دولة عجزت عن توفير ضروريات الحياة بمدينة من أعرق مدن البلاد، يشعر أهلها انهم يعاقبون بسبب دورهم في الثورة، وأن تعدد أوجه المآسي التي عايشوها من حوادث وحالات انتحار، وتهميش وحقرة، ولامبالاة بمطالبهم  الحيوية التي  بحت أصواتهم وهم ينادون بها، مما حدا بهم إلى الدعوة إلى المطالبة بتحويل تالة إلى ولاية.

يقول كمال الصغيري أحد مناضلي مدينة تالة في تدوينة له: “فك الارتباط  بولاية القصرين بإداراتها الجهوية أصبح ضرورة بل حتمية، بتحقيقها تتحقق آمال أهالي جهة تالة أو بعضها على الأقل.. فك الارتباط والمطالبة بتالة ولاية مطلب يدعمه التاريخ والجغرافيا، وأبناء تالة المقيمين بها أو خارجها بصدد إعداد ملف متكامل ينتظر دعما من الجميع ولن يضيع حق وراءه طلاب…. ”

الشعار ذاته (تالة الولاية 25) كان رفع خلال الاحتفال بالذكرى 114 لتأسيس بلديتها يوم الأحد الماضي  (4فيفري 2018 ) ويتبناه جل أبنائها الذين يعتقدون أنه كفيل بإحيائها وبعث الروح فيها وتحسين نوعية الحياة بها.

(5)

تزامنا مع جنازة الشهيدتين رحمة وسرور، عاشت تالة كامل يوم أمس الأربعاء إضرابا عاما، حدادا على روحيهما الزكيتين، ووقوفا إلى جانب أسرتيهما المكلومتين، واحتجاجا على الظروف المزرية التي أدت إلى وفاتهما… وكل أمل أهلها أن تتحسن أوضاع متساكنيها، وأن تتخذ الدولة كل ما يجب اتخاذه من قرارات لانتشالها مما تعيشه من تهميش وتفقير وانعدام جدية في التعاطي مع جميع الملفات الحارقة المتعلقة بها، حتى لا تتكرر فيها المآسي التي تعاقدت  معها، وحتى لا نسمع مرة أخرى عن تلميذة من تلميذاتها تحمد الله على النجاة من الحريق لأن (النوم لم يداعب جفونها تلك الليلة بسبب شدة البرد والجوع)  بمبيت معهد 25 جويلية بتالة…

رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.