المنذر معمر
maamarbct@Gmail.com
تلعب المؤسسات المالية دورا هاما في تمويل الاقتصاد إذ لا يمكن للدولة أن تساهم في تحقيق نسبة نمو وتتمكن من المساهمة في النهوض الاقتصادي دون أن يكون لها ذراع مالي يموّل مشاريعها.
على مستوى الاقتصاد الجزئي microéconomie لا يمكن لمالك الأرض على سبيل الذكر أن يندمج في الحلقة الاقتصادية دون أدوات مالية تمثل ممتلكاته. فالاقتصاد الحقيقي مرتبط ارتباطا وثيقا بالاقتصاد المالي. ويبقى التوازن بين الحقيقي والمالي صعب المنال وعادة ما تقاس الجدوى الاقتصادية والمالية بالقدرة على تحقيق هذه المعادلة.
المتأمل في موازنات البنوك وفي نتائجها سواء كانت عمومية أو خاصة يصطدم بنسبة الأرباح والفوائض الكبيرة. لا سيما بعد أن تمّت رأسملة بعض البنوك العمومية في المقابل الدولة تتخبط في مشاكل عديدة من أهمها عجز في الميزانية عجز على المستوى التجاري انحدار في قيمة الدينار وهي الآن بصدد مواجهة مشاكل اجتماعية قد تعصف بوجودها
يتساءل العديد عن سبب هذا التناقض وعن هذه المفارقات؟. الجواب سهل وبسيط ولا يتطلّب عمقا في التحليل بقدر ما يستجوب استخلاص الدروس وتشخيص الأوضاع واتخاذ الإجراءات اللازمة للخروج من الأزمة، لأن الحالة المالية والعلاقة بين البنوك والاقتصاد غير مريحة بالمرة.
الموازنات المضيئة للبنوك من خلال تحقيق الأرباح لا تعكس حقيقة وضعنا الاقتصادي. فالظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد كانت ولا تزال عاملا من العوامل الأساسية لانتعاش البنوك. فكلمّا اشتدت الأزمات إلّا وأسرع المواطن إلى الاقتراض لمجابهة التحدّيات والصعوبات من ناحية ومن الارتقاء بوضعه الاقتصادي نحو الأفضل من ناحية أخرى فالبنك يقرضه بنسبة فائدة تفوق نسبة سوق النقد TMM بحوالي 3 نقاط فحين إعادة تمويل البنوك في السوق النقدية تكون بنسب أقل بكثير من هذه النسبة ممّا يؤثر على طاقة سداد المواطن الذي يبقى مرتهن لدى البنك طيلة حياته ويدفع أضعاف المبلغ المقترض، وبطبيعة الحال لا يقتصر هذا على قروض الاستهلاك وإنما على كل القروض تقريبا فالمقياس الأساسي المعتمد من طرف البنوك في السلفة هو نسبة السوق النقدية دون الأخذ بعين الاعتبار المخاطرة ودراسة المشروع.
عامل آخر ساهم في انتعاشة البنوك وهي الحالة غير الصحية التي تمرّ بها بلادنا وعدم قدرة الدولة على مواجهة التحدّيات الاقتصادية واحتياجاتها الملحة لتمويل مشاريعها وتغطية عجزها مما يجعلها تستنجد بالبنوك للاقتراض من خلال اقتناء رقاع الخزينة القابلة للتنظيرBTA وبنسب مرتفعة نسبيا أي حوالي 7,5 بالمائة سنة 2017 في حين كانت هذه النسبة حوالي 5 بالمائة في سنة 2010.
وهذا دليل واضح على أن الدولة تفتقد لقدرة تفاوض مع البنوك فهي ليست في موقع قوّة ومستسلمة لطلبات البنوك المشطة الشيء الذي جعل أحد المختصّين يطلق صيحة فزع ويتّهم البنوك بأنها لا وطنية قائلا: “في هذا الظرف الصعب كان من المفروض أن تقرض البنوك الدولة بصفر فائدة”.
عامل آخر ساهم في تعكير وضعية الدولة وهو قانون البنك المركزي الذي جاء في إطار استقلاليته والذي يمنع منح تسبقة للدولة أي لخزينتهاAvance au Trésor . والذي دعا البعض إلى مراجعته حتى وإن تناقض مع توصيّات صندوق النقد الدولي
ما نستنتجه ونستخلصه أن النظام البنكي في بلادنا ليس في أحسن حالاته ويعيش وينتعش ويحقق أرباحا من آلام المواطن ومن آلام الدولة فسياستنا النقدية خاطئة وهي محفوفة بالتضخّم المالي والمديونية. ودور البنوك يجب أن يرتقي من دور قباضة مالية إلى دور أكثر فاعلية وجدوى يقطع مع الاخلالات السابقة ويساهم في منوال تنمية جديد.




