عمار جماعي
في مثل وضعنا “الهشّ” – العبارة الأكثر دورانا على الألسن هذه الأيام – يصبح القول، شفويا أو مكتوبا، “خطيرا جدّا”!
ما أصبح من بديهيّات اللغة أنّ المنطوق كالمكتوب وما يحفّ بهما من مقام، يتخذ لنفسه في لحظة إنجازه، استراتيجيا لها أهداف قريبة وبعيدة يقصد إليها المتكلّم قصدا.. هذا يسمّى في أدبيّات الصحافة اليوم “أجندا”! بمعنى أنّ ذاك القول مسبوق عند صاحبه بنيّة مبيّتة ولا يصدر عن “حسن نيّة”.. وعليه فإنّنا في مثل وضعنا، حيث الغموض والخوف وانعدام الثقة، يكون كلّ خطاب “مشبوها”!
وما نشهده منذ “ثورة حريّة التعبير” من إسهال قولي وثرثرة لغوية وتعدد للمنابر وتكاثر لـ “أطباق التحليل والتأويل” ما يجعل الجوّ العام ملغوما يكاد يأخذ سامعه كلّ خطاب مأخذ المصدّق فيبني عليه الموقف والموقف النّقيض!
إنّ غياب خطاب سياسي واضح مقنع طيلة الفترة الاستبدادية قد جعل خطاب الجميع ميكانيكيّا خشبيا باردا يخلو تماما من الخيال. يصوغه “تكنوقراط الكتابة”.. ولعلّ الاستثناء هو خطاب بورقيبة الذي كان يملأ للناس هذا الفراغ ويهبهم “إيمانا ما” ساعد على التفاف أغلب الشعب حول “زعيمه”! اليوم ظهرت البلاغات الجديدة والألسن الطويلة – قل المتطاولة – لتستثمر في حالة تونسيّة لم تعد تعلم “كوعها من بوعها”!
ليس أسهل والحالة هذه من بلاغة النّواح واللطميّات وحسينيات البكاء وje pleure ma tunisie فهي أوقع في الأنفس وأجلب للانتباه.. فإذا تمّ ذلك فلصاحب الخطاب أن يملي شروطه ويبني ما شاء من المواقف فالنفوس عندها مستعدة للقبول! هذه هي مقدّمات “الأجندة”..
يزيد على هذا بهارات أخرى ضروريّة أهمّها التشنّج وعلوّ الصوت والضرب على الطاولة وبعض الحركات المسرحيّة باليد والنظارات.. حركات محسوبة بحساب تزيد من حماسة الخطاب و ناريّته. فإذا سمعت ورأيت قلت: “والله هذا الرجل صادق وقلبه على البلد”! عندها تتقدّم “الأجندة” نحو مرحلة غسل الدماغ كما كانت الدعاية النازية تنتهجها!
يصنع أصحاب هذا الخطاب لأنفسهم هالة من القداسة فيخاطبه الجميع بعبارة: “le grand monsieur “.. ويصبح بهذا التوصيف غير قابل للدحض فما بالك بالمحاسبة القانونية!.. فهو في النهاية سادن الحقّ وحارس المعبد الديمقراطي!
تكون “الأجندة” عندها قد نفّذت أهدافها وحققت ما تريد ووجّهت الرأي العام كما تشتهي!.. طبعا هناك أمران لا تغفل عنهما “الأجندة” وهما: الإيهام بتوازن الآراء من خلال صوت ضعيف مضادّ فيه من الرخاوة ما يسهل تمييعه، و تدفّق المال بدون حساب لجعل كلّ هذا مبهرا!
المستثمرون في “الإحباط” يتصدّرون المشهد ويحتكرونه تقريبا وقولنا أعلاه ليس سوى فضح كيفية اشتغال هذه “الماكينة” وغرفها المعتّمة.. حتى لا تنطلي علينا الحيلة ونغترب في خطاب الخديعة..
كيف نستثمر في “الأمل”؟.. تلك هي “أجندة” المقال القادم بإذن الله.




