أحمد المشرقي
تتوجّه تونس بخطى حثيثة ونفوس متوجسة وعقول حائرة وقلوب حالمة نحو مرحلة من مراحل كتابة التاريخ الوطني وهي مرحلة الانتخابات البلدية. هذه الانتخابات من حيث أهميتها التاريخية هي لحظة من لحظات تجسيد الحرية وترسيخ التشاركية، ومن حيث المسار هي وثبة أخرى من أجل استكمال البناء أمّا في علاقتها بروح العصر فهي إقامة صميمة في جوهره لأنّ هذه الروح من تجلّياتها إشاعة الديموقراطية وترسيخ ثقافتها ومن مظاهرها بذل الجهد في تأكيد معاني التشاركيّة الحقة .
وأي حدث يكون بهذه الأهمية وله كل تلك المكانة لا بدّ وأنّه متعرّض لتحدّيات عديدة وتواجهه الضغوطات من الجهات الستّة وفي مجال الانتقال الديموقراطي لا تعدّ أصعب الأمور مبادئها بل من الممكن أن تكون لحظة الاكتمال لها صعوباتها أيضا. وهي ما ينطبق على الانتخابات البلديّة التي تتوجه نحوها تونس وهي تحدّيات من الممكن حصرها في التجلّيات التالية :
– التحدي الأمني: لا يزال التحدّي الأمني من التحدّيات الحقيقيّة التي تواجه تونس في تجربة الانتقال الديمقراطي. فالإرهاب وإن تلقّى مجموعة من الضربات الموجعة إلّا أنّه لا يزال تحدّيا حقيقيا يواجهه الوطن. وإذا وضعنا في الاعتبار الطبيعة العنكبوتية لهذه الآفة وارتباطها بأجندة داخليّة وخارجيّة وعلاقاتها المريبة بالمخابرات المتنوعة يتأكد لدينا أن هذه الآلة الجهنميّة يمكن استخدامها لإرباك الفعل الانتخابي والتشويش عن إمكان استكمال البناء. وهو ما يفرض على مؤسسات الدولة والقوى السياسيّة والاجتماعية أن تكون على استعداد لإمكان مواجهة هذا التحدّي الذي نأمل أن يقع دحره وإلى الأبد. والتحدّي الإرهابي ليس من منجزات الخيال ولا هو من تهويماته بل كل الدلائل تؤكّد أنّه لا يزال خطرا محدقا بالوطن وأن توظيفه في مثل هذه اللحظات الحرجة قد تكون فيه خدمة لأكثر من طرف .
– التحدي الاقتصادي والتنموي: يقرّ العقلاء من أهل تونس ومن يتابع تجربتها أن النجاح السياسي الذي تحقّق منذ سنة 2011 لا يصاحبه نجاح اقتصادي وتنموي. بل أنّ هذه الانتخابات تأتي في ظروف اقتصادية صعبة وتحدّيات تنمويّة أصعب وهو ما يجعل كل الأطراف المتقدّمة لهذه الانتخابات معنيّة بطرح الطرق الممكنة والاجتهاد المبدع في جعل العمل البلدي والنظافة إلى مهامه التقليدية عنصرا من العناصر الضروريّة التي تحقق الدعم في المجال الاقتصادي. وتجتهد في تحقيق التراكم التنموي وتحقيقه. فلا قيمة لأي قائمة لا تحمل إضافات حقيقية في هذه المجالات الحيوية، ولا أهميّة لأي مترشح إذا لم يكن مزوّدا بالإضافات في هذه الاتجاهات. وهذه الأهمية لا تجعلنا نعود إلى مربّعات الوعود الزائفة أو الأمنيات الشاردة بل لا بد أن يتزامن منطق الإبداع مع منطق الواقعية دون خلل أو نقصان.
– التحدي القانوني والتشريعي: يحتاج العمل البلدي إلى ترسانة حقيقية من التشريعات والابتكارات القانونيّة حتى يحقّق المطلوب منه. ويعد مشروع مجلّة الجماعات المحلية الذي سيعرض على البرلمان قبل إتمام العملية الانتخابيّة واحدا من بين تلك القوانين والحاجة لا تزال ماسة في هذا المجال التشريعي حتى يحقّق العمل البلدي غاياته. ففي غياب القوانين والأوامر والتراتيب يكون الجهد مقيّدا ولا يتساوق والغايات التي أحدث الحكم المحلي من أجلها.
– التحدّي القيمي: لقد تضرّرت الحيّاة السياسيّة أكثر من أي مجال آخر من خلال تدنّي مستوى الخطاب والتصاغر في مستوى السلوك. وقد غذت الاستثمارات الإعلاميّة هذا التدنّي ممّا أدّى إلى ترذيل مطلق لأهل السياسة وأفعالهم وهو ما يهدّد الديموقراطية الناشئة. حيث لا معنى للديموقراطية ولممارستها إذا لم توجد أحزاب قويّة. وتمثل الانتخابات البلدية فرصة من الفرص التي من الممكن ان نتدارك فيها هذا الانحطاط في مستوى الخطاب وذاك التدني في مجال السلوك فالتخلف العالي مطلوب ولا معنى في هذا المستوى من القول لأي ممارسة مكيافيلية لن تسهم إلّا في مزيد من نفور أبناء هذا الشعب في السياسة والزهد في من يمثلها.
أعتقد أن الحياة السياسيّة بدأت في الانتظام وهي تسير نحو مزيد من مراكمته ومن يقرأ الخارطة في القائمات الانتخابيّة المقدّمة يتأكّد لديه هذا المعنى وتونس ما بعد البلديات ستكون أقوى وأرسخ وأكثر تعايشا. وهو تعايش لا يزال في حاجة إلى غرسه في قيم الحوار والتوافق. فبناء الوطن لن تنهض به إلّا الأيادي المتشابكة والمتصرّفة ولن تحميه إلا القلوب المتحاربة. نختلف وليكن اختلافنا عنوان لثرائنا وليس هذا بغريب عن قرطاج ولا عن القيروان ففي الأولى بدأت أولى الدساتير وفي الثانية كانت معاني الاستئناف الحق .




