عادل قلمامي
كانت لحظة الثورة التونسية سنة 2011 لحظة تاريخية فارقة في عديد الأبعاد، أجلّها سقوط رمز نظام جثم على صدور التونسيين لعقدين في وقت كان فيه الجميع، على كرههم له، مسلّمين بالتمديد له لعقد ثالث، لكنها كانت لحظة فارقة أيضا من زاوية الطريقة التي تمت بها عملية إسقاط رأس السلطة حيث خرج، على غير ميعاد، جميع الفرقاء السياسيين، وعامة التونسيين ليرددوا شعارا ألهم العالم من حولنا وهو شعار “ديقاج”، كانت لحظة فارقة أيضا من زاوية أن هذه “الثورة” لم تكن كبقية الثورات التقليدية التي تبدأ بتصفية أعداءها لتمر بعد ذلك لحصد أبنائها ولتنتهي بإرساء “ديكتاتورية ثورية” جديدة تعيد توزيع كل شيء، السلطة والجاه والمال والعلاقات الدولية وفق معايير وتحالفات جديدة…
ما يهمنا في هذا المقال هو هذا البعد الأخير، فقد قرر المزاج التونسي العام أن لا يلاحق جلاديه وأن لا يحاسبهم في الساحات العامة وهو أمر توافق عليه بشكل تلقائي عموم المواطنين سواء كانوا أفرادا ظُلموا أو اضطُهدوا من طرف جهاز الفساد داخل السلطة أو على حواشيها من العائلة الحاكمة، أو كانوا مجموعات سياسية وفكرية مورس عليها الاستبداد لقرون فعانت السجون والتشريد والإقصاء وكل أنواع التنكيل، أو كانوا من أهالي الضحايا الذين سقطوا لحظة الثورة بالرصاص الحي لقوات الأمن أو لعصابات لم يكشف إلى الآن عن هويتها… هذا المزاج العام عكسه مزاج سياسي للأطراف التي حكمت البلاد اثر الثورة فلم تهرول نحو المحاسبة ولا نحو إرجاع المظالم لأصحابها بل عمدت إلى بناء منظومة قانونية ومؤسساتية تكفل ما أسمته بعملية الانتقال الديمقراطي واكتفت في انتظار ذلك وتحت ضغط عدد من الضحايا ومن عائلات الشهداء وجرحى الثورة بمعالجات موضعية ووقتية لم تغن ولم تسمن من جوع الضحايا ولم تمنع استهداف المتربصين.
في هذا السياق جاء الإعلان عن هيئة الحقيقة والكرامة لتفتح ملفات جراحات الماضي فتنصف الضحايا وتحاسب المسؤولين بهدف تحقيق المصالحة وطي صفحة الماضي نهائيا… لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة.
الهيئة وتغير طبيعة التحالفات
منذ البداية برز على السطح خلاف بين الهيئة وعدد من رموز المنظومة القديمة العائدين للسلطة عبر صناديق الاقتراع بعد أن استمدوا الشرعية السياسية من معارضي الترويكا والإسلاميين تحديدا، فكانت معركة الأرشيف الرئاسي عبارة على الشجرة التي تخفي الغابة. تحالفات السياسة ومنطق عدو عدوي هو صديقي، اقتضت في البداية أن يناصر الإسلاميون الهيئة وأن يصطف اليسار بالسر أو بالعلن خلف الباجي ونداء تونس، ثم ما لبث أن انقلب الأمر بعد تحالف النهضة والنداء، فبات اليسار أقرب إلى الهيئة – وهو ما يفسر هرولتهم المتأخرة لوضع ملفاتهم طلبا للتعويض الذي كانوا يشيطنونه – وأصبح الإسلاميون، وهم الذين ضحوا ببعض الأعضاء المحسوبين عليها داخل الهيئة، أكثر نقدا لأداء رئيستها لكن دون الذهاب إلى ابعد من ذلك فقد كان الإسلاميون من ناحية أخرى تحت ضغط الضحايا وجلهم من أبناءها وتحت ضغط الاستثمار في مسار ظل تاريخيا وسياسيا محسوبا عليهم.
تغيّر المواقع السياسية وطبيعة التحالفات التي تتقاطع في زوايا وتتضارب في زوايا أخرى بين الفاعلين السياسيين من إسلاميين ومن يسار ومن رموز المنظومة القديمة وأنصارها بدا جليا في لحظات التصويت على ميزانية الهيئة داخل البرلمان وبدا جليا أكثر في الموقف من سد الشغور الحاصل داخلها، شغور وجد فيه أعداء المسار الخائفين من مآلات المحاسبة
رئيسة الهيئة والوحال السياسية
فرصة في عدم سده حتى يتمكنوا لاحقا من إسقاط كل المقررات التي لا تروق لهم والطعن فيها قضائيا، ووجد فيه اليسار فرصة لمقايضة رئيسة اقتربت كثيرا من الإسلاميين وربما ذهبت لفتح خزائن الدولة لضحاياهم الكثر، في حين بقي الإسلاميون بين مطرقة الضحايا وسندان هيئة لا يمكن الاطمئنان لرئيستها التي جاهرتهم في بعض المواقف بالعداء (هجوم بن سدرين المركز على النائبة يمينة الزغلامي ووصفها لعدد من الضحايا ب”كعبتين يحبوا التعويضات”).
هذه التقاطعات داخل مربعات متحركة لا تخفى على رئيسة هيئة لم تكن للحظة بعيدة عن السياسة وأوحالها وتجاذباتها، والتي هي أيضا لها هواجسها من إمكانية “الانقلاب” عليها ووضع نهاية درامية لمستقبلها الحقوقي وربما السياسي، فجعلت من ملفات الضحايا ومن ملفات الفساد والانتهاكات أدوات تغازل بها هذا الطرف وتهدد بها الآخر وتغوي بها آخرين…
ملف التمديد للهيئة وملف مقررات جبر أضرار الضحايا وملف المحاسبة وحتى معركة الأرشيف الأخيرة هي ملفات حولها خلاف في ظاهره قانوني لكنه في جوهره يخفي تموقعات ومواقف مختلفة… هذه الملفات تظل بمثابة قطع شطرنج داخل مربعات رقعة لا يخضع فيها اللاعبون إلى قواعد غير الحسابات والهواجس والمخاوف مع اقتراب رهان انتخابي مهم للغاية وحساس.
أين الضحايا من كل هذا؟ لا يبدو أن الأوضاع الكارثية لعديد الضحايا الذين بدأوا منذ زمن في الانقراض بسبب الأمراض وتقدم السن واهتراء أوضاعهم المادية والاجتماعية هي الهم الأول للسياسيين وللسيدة بن سدرين، وإن أدخلوهم في حساباتهم فلاستعمالهم كسند ميداني في معاركهم السياسية فلا يخفى أن الهيئة استعملت شقا من الضحايا لضرب شق آخر ولا يخفى أن السياسيين حتى من أعداء الهيئة باتوا يناصرون الضحايا
الضحايا الحلقة الأضعف
الغاضبين من الهيئة لضربها ويلوحون تصريحا وتلميحا بأن مسار العدالة الانتقالية أوسع من “هيئة المادام” التي لم تنجز لهم شيئا، أما اليسار فلا يبدو أنه شفي من أحقاده الإيديولوجية التي تجعله يتبنى موقف “اقلع لي عينا لتقلع له عينان”، كما أن الجناح السياسي للإسلاميين لم يشف بعد من محرقة “قداش كيلو النضال” بما يجعل خشيتهم من الاحتراق الجماعي إعلاميا تفوق خشيتهم من احتراق أبناءهم فردا فردا يوميا.
أخيرا، الضحايا الذين يبدون في هذه القراءة الحلقة الأضعف، يمكن أن يتحولوا بمعية الجمعيات المناصرة إلى الحلقة الأقوى والمعادلة الأصعب لو يتمكنوا من ضبط البوصلة، فصوت الميدان لا يقدر أحد على إلجامه، وهو ما قد يشكل مؤشرا إضافيا على الخصوصية التونسية في موضوع العدالة الانتقالية.




