فائزة الناصر
عاد الغموض والتعقيد والتشنج ليخيّم من جديد على المشهد السياسي التونسي، فبين تراشق التهم بين المنظمة الشغيلة والحكومة وبين ارتفاع نسق الاضرابات في القطاعات الحيوية والحساسة مثل قطاع انتاج الفسفاط والبترول وقطاع التعليم، وبين أحزاب منشغلة إما بمعاركها الدونكيشوتية وبتراشق التهم أو بمشاكلها الداخلية التي لا تنتهي أو بالتآمر على المسار الانتقالي من الداخل والخارج تلبية لنزعات انتهازية أو لوثات إيديولوجية مقيتة، بين هذا وذاك تتعمّق الأزمة التونسية ويتعقد المشهد العام المأزوم بطبيعته حتى أصبح يوحي بالعدمية السياسية، العدمية بوصفها خواء على كل المستويات واستحالة للمعنى..
وهذا يذكرنا بقول ماكس فيبر “أن الفعل السياسي هو فعل عقلاني مرشد، أي إنّه فعل له غاية محددة وواضحة، ويتوسّل بالوسيلة الأكثر نجاعة لتحقيق هذه الغاية”. فإذا غاب عن الحالة السياسية في مختلف مستوياتها، أصبحنا في حالة لا سياسية في جوهرها. وهذا أخطر ما يمكن أن يمرّ به أي نظام في العالم، ونخشى أن يكون هذا ما نعيشه اليوم..
بدأت الأزمة الاقتصادية الخانقة تأخذ منعرجا خطيرا وكلما تعمقت الأزمة الاقتصادية نرى الأزمة الاجتماعية في استفحال مذهل.. كل المؤشرات الاقتصادية تدل على أن قارب تونس في وضعية حرجة، نسبة نموّ قد لا تتجاوز %1 على امتداد كامل سنة 2018 مع ما يعنيه ذلك من تراجع للاستثمار وفقدان للأسواق لبعض قطاعاتنا الحساسة وتفاقم المديونية العمومية..
الميزان التجاري يشكو عجزا خطيرا ومصاريف الميزانية العمومية في تزايد مستمر ونسبة البطالة مازالت مرتفعة مع انزلاق خطير للدينار التونسي وارتفاع مخيف في نسبة التضخم واستقرار غلاء الأسعار عند مستويات غير مطمئنة، أي أننا أمام ملف اقتصادي ملغوم أشبه بالقنبلة الموقوتة وإن لم نحسن التعامل معه بحكمة وحذر فإننا سنشهد أياما عصيبة..
والذي أصبح معلوما للجميع هو أنّه إذا تواصلت وضعية المالية العمومية على ما هي عليه الآن فوضعنا في السنوات القليلة القادمة لن يكون أفضل من وضع بعض الدول التي شارفت على الإفلاس وسنكون مخيرين بين الإفلاس أو الانصياع للوصفات القاسية جدّا للمؤسسات المالية الدولية..
إذن وبهذا المعنى تصبح عمليات ليّ الذراع وكسر العظام التي تمارسها المنظمة الشغيلة حينا وتمارسها منظمة الأعراف حينا آخر وتمارسها الحكومة والمعارضة أحيانا كثيرة، تصبح مجرد عبث، عبث بمستقبل بلاد وعبث بمصير شعب وعبث بمستقبل مسار برمته..
بينما الحل الرصين والحكيم والأمثل موجود وممكن فقط لو تعقّل الجميع وأدركوا أنّ انزلاق الدينار سيؤثر على الطبقة الشغيلة كما سيؤثر على الأثرياء ورجال الاعمال والمستثمرين وعلى التوازنات المالية للحكومة.. وأنّ ارتفاع الأسعار سيؤثر على الطبقة الوسطى والفقيرة كما سيؤثر على الأرباب والتجّار لأن المقدرة الشرائية ستتراجع ويتراجع معها الطلب والاستهلاك.. وأنّ عدم الاستقرار والتناحر السياسي لن يضعف الحكومة فقط بل سيحكم الطوق على الدولة وسينفر الصناديق الدولية ومستثمري الداخل والخارج.. وأنّ فشل الحكومة لا يعني خسارتها في الانتخابات التشريعية القادمة، فلو كان الأمر كذلك لهان، فمن حق الفاعلين السياسيين أن يعملوا على هزم منافسيهم في الانتخابات ولكن المقصود من الفشل هنا هو شيء آخر، هو إخفاق الحكومة في تحقيق الحدّ الأدنى الاقتصادي والاجتماعي، هو إخفاق لتونس وتقهقر لجل مؤشراتها وحيال وتهديدات إضافية لأمننا بمفهومه الشامل.. فلا بد إذن أن نميّز بين خسارة أغلبية ما في الانتخابات القادمة وبين فشل الحكومة التونسية والذي ستنعكس آثاره على الجميع…
وأنّ دمار المؤسسة التربوية العمومية هو تدمير لمستقبل ابن المواطن العادي كما هو تدمير لمستقبل أبناء جماعة النقابات المركزية.. وأن سنة بيضاء ستضرّ بابن المواطن العادي كما ستضرّ بابن النقابي على حد سواء.. وأن توقف انتاج الفسفاط، القطاع الحيوي لن يؤثر فقط على نسق الصادرات وتراجع قيمة الدينار التونسي إلى جانب خسران عقود مهمة أبرمتها تونس وأسواقا تصديرية هامة، بل سيؤثر بدرجة متساوية على العاطلين والمفقرين الذين لن يكون هناك أي أمل في إيجاد موارد عمل أخرى لهم، وسيعمّق البطالة لأن توقف الفسفاط هو انذار بكارثة اجتماعية حقيقية قبل أن تكون اقتصادية. إذن على كل من ينتهج سياسة كسر العضم اليوم أن يدرك أن الكارثة لن ستثني أحدا لا حكومة ولا أحزابا ولا منظمات بل ستحل بالجميع دون استثناء ومحو آثارها لن يكون أمرا يسيرا لأي فاعل مهما منّى النفس بدوائر انقاذ من الداخل أو الخارج..
إذن الحل لن يكون إلا هبة وطنية لإنقاذ البلاد تترجمها سلم سياسية واجتماعية شاملة لسنة في الحدّ الأدنى حتى تخرج البلاد من منطقة الخطر، وتلتقط أنفاسها.. مصالحة وطنية شاملة قائمة على ما يمكن أن نسميه بمقايضة تاريخية نعوّض بها حرب الكل ضد الكل بتنازل الكل للكل..
ولا معنى هنا لتنازلات في اتجاه واحد بل فكرة المقايضة مبنية على حتمية التنازل المتبادل.. لنقل بأن هذه هي إكراهات إنقاذ تونس.. فما العيب في إبرام هدنة مؤقتة بين كل هذه القوى وغيرها أيضا مادامت داخل الحرم الدستوري ولو ببعض التجوزات؟ هل يعسر علينا اليوم أن نجد هدنة اجتماعية بين الدولة كمشغل عمومي وأرباب العمل وأجراء القطاع العام والخاص؟ تنازل متبادل بين كل أطراف الإنتاج ينتج عنه تحسين مقبول للقدرة الشرائية والتزام بعدم اللجوء إلى الإضرابات العامة خلال فترة الهدنة هذه.
فالشروع في هذه المقايضات والتوافقات سيسهّل علينا أيضا إيجاد الحلول المرضية لكل مشاكل الاحتجاج الاجتماعي ولا سيما في مناطق الفسفاط والبترول…
والسلم الاجتماعية والسياسية هي بكل بساطة أن يتفق الجميع على هدنة يلتزم فيها أرباب العمل (الحكومة والأعراف) باحترام حقوق العمّال المتفق عليها والالتزام بتجميد الأسعار مقابل التزام الطبقة الشغيلة ومن ورائها النقابية المركزية وقف الإضرابات والاعتصامات ومطالب الزيادات في الأجور..
وعندما تتوقف الإضرابات تعود عجلة الإنتاج إلى الدوران فيكون الخراج جيدا للجميع للبلاد ولصاحب العمل وحتى للعامل لأن توفير الإنتاج مع الحفاظ على مستوى الأسعار أفضل من زيادة في المداخيل لا تغطي نصف الزيادة في الأسعار.
هذا الاتفاق ينفع العاطلين عن العمل وأصحاب المهن الحرة غير المعنيين أصلا بالزيادات في الأجور ولعلّ الأهم يكمن في الرسالة المشجعة التي ترسلها الهدنة الاجتماعية للمستثمرين الأجانب إذ أن الضمانات الاجتماعية أفضل للمستثمر الأجنبي من كل التسهيلات الإدارية والامتيازات الجبائية.
إذن قليل من الثقة الغائبة بين الأطراف المعنية بالسلم الاجتماعية أي بين المنتج من جهة وصاحب العمل من أخرى، وبين المواطن من ناحية والحكومة من أخرى، وبين الأطراف السياسية في ما بينها كافية اليوم لتجنب البلاد مآلات مخيفة وانزلاقات خطيرة..
وإعادة الثقة ممكنة فقط لو يتحلى كل طرف بالمسؤولية ويكتسب عقلية العطاء قبل الأخذ، وينظر إلى الطرف المقابل بوصفه منافسا لا خصما وشريكا لا عدوا..




