حاورها أسامة بالطاهر
صور: نور الدين عبيدي
دعت كاتبة الدولة لدى وزير التشغيل المكلّفة بالتكوين المهني والمبادرة الخاصّة سيّدة الونيسي التونسيّين إلى دعم جهود الوزارة والاطلاع على كل ما يهمّ التكوين المهني والتشغيل والاقتصاد التضامني لأن هناك دائما مستجدّات، مؤكّدة في حوار خصّت به صحيفة “الرأي العام” أن هناك تصوّرات ورؤى جديدة تهم التشغيل بصدد التشكّل على أرض الواقع تفتح آفاق وآليات تشغيل جديدة وتوسّع قاعدة المنتفعين بها.

كاتبة الدولة سيّدة الونيسي تتحدّث لصحيفة “الرأي العام”
صرّحتم بأن هناك 145 ألف وظيفة شاغرة في تونس، كيف ستتصرّف وزارة التشغيل من أجل الاستفادة من هذه الشغورات؟
نعم هذا صحيح، خصوصيّة البطالة في تونس تكمن في الفرق الحقيقي بين الموارد البشريّة والاختصاصات وبين طلبات سوق الشغل والمجال الاقتصادي. وهناك نقص علة مستوى عدّة اختصاصات ولدينا خطّة كاملة في قطاع التكوين المهني من أجل تخريج شباب أو غيرهم لديهم المهارات التقنيّة المطلوبة من سوق الشغل. إضافة إلى تركيزنا على الاختصاصات المتطوّرة وهدفنا أن يكون الشاب الباحث عن عمل مالك لكفاءات مختصّة وهو ما تعمل عليه الوكالة الوطنيّة للتشغيل والتي ليس من دورها فقط تقديم المساعدات في البرامج التشغيليّة الموجودة مثل عقود الإدماج المهني وعقد الكرامة والمبادرة الخاصّة وغيرها… ولكن أيضا التنسيق بين طلبات سوق الشغل وبين الموارد البشريّة المتوفّرة وهو عمل كبير تشارك فيه 3 أطراف الوزارة (الوكالة التونسية للتكوين المهني التي تشرف على 137 مركز تكوين عمومي التي تغطّي أغلب الاختصاصات وحتى الاختصاصات غير المتوفرة نحن مرنون جدّا في التعامل مع مقترحات القطاع الخاص في صورة وجود ضمانات لانتداب خرّيجي الاختصاصات المحدثة)، ووزارة التربية ووزارة التعليم العالي إذ لا يمكن أن يكون هناك مقاربة في غياب أحد هذه الأطراف.
ما هي آخر مشاريعكم للتقليص من نسبة البطالة؟
نحن بصدد إعداد برنامج هو جزء من خطّة التشغيل لسنة 2018 وهو برنامج مهن الجوار يتمثّل في تمويل مشاريع صغرى وصغرى جدّا في بعض الاختصاصات (مجال الخدمات التي تحتاجها الجهات في حضور الكفاءات اللازمة)، هو برنامج تمّ تجربته في سنة 2000 وأعطى نتائج إيجابيّة لذلك نسعى إلى إحيائه مع الحرص على توفير الاعتمادات اللازمة لتنفيذه.
مسألة التشغيل ليس فقط دور الدولة، صحيح أن دور الدولة محوري في تهيئة المناخ والتشجيع على الاستثمار، ولكن هناك مسؤوليّة كبرى للقطاع الخاص، خاصّة مع وصول القطاع العمومي لطاقة الاستيعاب القصوى (800 ألف موظّف عمومي). لا بدّ من العمل على الارتقاء بنسبة التأطير في القطاع الخاص، وذلك من خلال تحيين مجلّة الشغل التي لم تعد تستجيب لمتطلبات الشغل اليوم. ومن ناحية أخرى الاتفاقيّات المشتركة وهذا دور النقابات التي لها تأثير عميق في سوق الشغل. هاتين النقطتين تؤثّر سلبا في استقدام الشباب نحو القطاع الخاص.
هل ترين أن الآليات التي تعتمدها الوزارة للتشغيل ناجعة؟
تجدر الإشارة إلى أنّه ولأوّل مرّة توضع خطّة سياسيّة في علاقة بالمبادرة الخاصّة وكان ذلك مع حكومة الوحدة الوطنيّة في 2016 للدلالة على أهميّة هذا الملف. ولا يعني ذلك أن آليات التشجيع على المبادرة الخاصّة لم تكن موجودة، بالعكس تماما الآليات وُجدت منذ السبعينات والثمانينات وهي التي خلقت النسيج الاقتصادي لتونس اليوم. وكانت الدولة التي دفعت لخلق أكثر المؤسسات الاقتصاديّة الموجودة الآن إما بالتمويل أو بالمرافقة أو غيره. ولكن الآن الوضع اختلف تماما فمع غلق باب الوظيفة العموميّة كان لا بدّ من البحث عن آفاق جديدة.
انطلقنا في رسم استراتيجيّة وطنيّة لدفع المبادرة الخاصّة صادقت عليها الحكومة ولا تعني فقط وزارة التشغيل ولكن أيضا كل الوزارات التي لها علاقة بالقطاع. وترتكز هذه الاستراتيجيّة على 6 محاور:
– نشر وإفشاء ثقافة المبادرة: وذلك من خلال التركيز على التجارب الناجحة. وعملنا على ذلك من خلال حملة “انجّم” التي انطلقت في 2017. وانطلقنا مع بداية 2018 في مرحلة ثانية تركّز أساسا على المرأة.
– إصلاح القوانين والتشريعات التي تخصّ المبادرة الخاصّة، وأساسا 3 قوانين: startup act بالشراكة مع وزارة تكنولوجيات الاتصال وتمّت المصادقة عليه من طرف لجنة الصناعة في مجلس نواب الشعب. وإثر المصادقة عليه من طرف الجلسة العامّة سنقدّم مشروع قانون ثاني وهو جاهز وقمنا بالعمل عليه بالشراكة مع المجتمع المدني وهو قانون المبادر الذاتي والذي يهدف إلى تيسير الإجراءات الإداريّة لصالح الأشخاص الذين يودّون الانتصاب للحساب الخاص بمواردهم الذاتيّة. وسيتم ذلك بالشراكة مع منظومة البريد التونسي الذي يغطّي كافة التراب التونسي ويحظى بثقة غالبيّة المواطنين. كما يهدف أيضا لإيجاد نظام اجتماعي، فالمعروف أن 43 % من الاقتصاد الوطني غير منظّم أغلب أفراده ليسوا من المهرّبين ولكن فرضت عليهم الظروف العمل خارج الاقتصاد المنظّم فإن وجدت فرص العودة إلى الاقتصاد المنظّم ستعود ونكون بذلك قدّ وسّعنا في قاعدة المساهمين في الصناديق الاجتماعية التي تشكو من العجز حاليّا ونبحث لها عن حلول.
– تسهيل النفاذ إلى التمويل، قمنا بإحداث تعاون بين فضاءات المبادرة ومكاتب التشغيل وبين البنك الوطني للتضامن، في هذا السياق يكون الباعث الذي يتلقى جميع المراحل التكوينيّة على ثقة بأنه سيتحصّل على التمويل في النهاية. وهو ما يشجّع الشباب لخوض التجربة ووزارة التشغيل ستتكفّل بمرافقة هؤلاء الباعثين.
– النفاذ إلى السوق وهو من المحاور الأساسيّة التي نشتغل عليها من أجل الأخذ بعين الاعتبار هذه المؤسسات الصغرى في السياسة التصديريّة. في العام المقبل سيكون هناك برنامج جديد نحن بصدد الاشتغال عليه بالشراكة مع دار المصدّر.
نقطة ثانيّة في هذا المستوى تهم القطاع العمومي كأكبر مستهلك وهناك قانون منذ 2004 يفرض على القطاع العمومي منح 20 % من صفقاته للباعثين الشبّان وفي هذا الإطار نحن نعمل على برنامج جديد لتفعيل هذا القانون أسميناه “جيل جديد من الباعثين”، وانطلقنا في تجربة مع وزارة التجهيز في قطاع صيانة الطرقات مع 92 شركة صغرى وكانت النتائج مشجّعة حتّى أن الوزارة عادت لنا بمشروع آخر يخصّ التنوير العمومي وصيانته. هذه النتائج دفعت إلى إعادة التجربة مع وزارة البيئة ممثلة في الديوان الوطني للتطهير واخترنا 90 مؤسسة صغرى في هذا المجال، أنهى أصحابها مرحلة التكوين وحصلوا على تمويلات في انتظار مباشرة العمل مع الديوان. كذلك الشأن مع وزارة تكنولوجيات الاتصال والاقتصاد الرقمي. في النهاية هناك سوق عموميّة ولا بدّ أن يحظى جيل الباعثين الجدد بجزء منه.
هناك مخطّط تنفيذي فيه عديد المشاريع سنقدّمه في شهر أفريل القادم تحت إشراف رئيس الحكومة الداعم الأكبر للمبادرة الخاصّة على المستوى الحكومي وهو ما يجعلنا نشتغل بأريحيّة كبرى ويحفّز على مزيد طرح مقترحات جريئة ورفع سقف الطموحات في إطار معروف بتحفّظاته في المسألة الاقتصاديّة لذلك على الشباب اليوم الدفاع عن فرصته.
ماهي مشاريعكم في خصوص قطاع التكوين المهني؟
من أكبر الحظائر المفتوحة على مستوى الوزارة هو ملف التكوين المهني. هناك برنامج لإصلاح منظومة التكوين المهني ترتكز على 14 مشروعا باعتمادات تقدّر بـ 640 مليون دينار، وما يؤكّد وجود إرادة للإصلاح هو تحقيقنا لنصف الأهداف.
المنظومة تهدف إلى صيانة المراكز والفضاءات التابعة لها وتحسينها وذلك كمنطلق لتحسين صورة القطاع وتشجيع الشباب على التوجّه للتكوين المهني.
النقطة الثانية تهمّ حوكمة المراكز، القطاع إلى الآن منقسم بين تكوين مهني عمومي ومراكز قطاع خاص، ونحن نسعى اليوم إلى توحيد الرؤى والتشاركيّة في أخذ القرار، والنموذج الذي نعتمده في هذا التمشّي هو النموذج الألماني. ونحن في وزارة التشغيل نعتبر أن مستقبل الموارد البشريّة الحقيقي هو التكوين المهني. فالنسيج الاقتصادي اليوم يحتاج لخريّجي تكوين مهني. وهناك عدد هام من الشباب حاملي الشهائد العليا اقتنعوا بذلك وتوجّهوا إلى التكوين المهني.
هل يأخذ هذا الاصلاح بعين الاعتبار التجديد على مستوى الاختصاصات وبعث اختصاصات جديدة كمسايرة لمتطلبات سوق الشغل؟
بالطبع وهذا ما جعلنا نفتح مراكز التكوين أمام اختصاص ميكانيك الطائرات وعدّة اختصاصات في الاقتصاد الرقمي، حتّى أن بعض المراكز تصلها مطالب بمئات أضعاف طاقة الاستيعاب كذلك الشأن بالنسبة لمجال الموضة والإكساء. هذا بالإضافة إلى انفتاحنا على متطلّبات القطاع الخاص عندما يكون هناك طلب تشغيل في اختصاص معيّن. نحن مستعدّون للتكوين فيه.
هناك رقم إيجابي أصدره مرصد الوطني للتشغيل والمهارات التابع للوزارة بعد القيام بدراسة طويلة الأمد: 70 % من خرّيجي التكوين المهني يجدون عمل مقارنة بـ 20 % لدى خرّيجي التعليم العالي.
انتم بصدد إعداد مشروع قانون الاقتصاد التضامني والاجتماعي، ما هي ملامحه وماهي أهدافه؟
يهدف هذا المشروع إلى إيجاد إجابات على أشياء لا نجد لها إجابة لدى القطاع العام أو القطاع الخاص. فهذان القطاعان لم يجدا حلولا للاستثمار في الجهات الداخليّة أو تكون لهم مشاريع كبرى في مجال الفلاحة أو إيجاد حلول واقعيّة لقطاع الصناعات التقليديّة أو إيجاد رؤية اجتماعيّة للمبادرة الاقتصاديّة الخصّة.
في فرنسا مثلا يوجد القطاع التضامني منذ 20 سنة وهو يمثّل 10 % من جملة الاقتصاد، وتشغّل الجمعيّات التضامنيّة مليوني شخص. عديد التجارب تؤكّد أن الأماكن التي لا تستطيع الدولة الوصول إليها يقدر الاقتصاد التضامني على تعويضها فيها بنجاح.
المعروف على الاقتصاد التضامني أن أرباحه محدودة ولكن يتم إعادة استثمارها وبالتالي يتأكّد لنا بأن مؤسسات هذا الاقتصاد من أكثر المؤسسات محافظة على التنمية المستدامة.
تاريخيّا، وجد الاقتصاد التضامني منذ عهد البايات، يعني أنه موجود في ثقافتنا وما علينا إلاّ إحياءه وإيجاد الإطار القانوني له. والجديد هو إيجاد هيكل جديد، فإلى جانب التعاونيّات والوداديّات المعروفة في نظام الاقتصاد التضامني سيتم بعث جمعيات تضامنيّة باعتبار مرونتها وسهولة بعثها.
والجديد أيضا، مؤسسة جديدة ستكون مدرجة في سجلّ المؤسسات الذي تشتغل عليه وزارة العدل هي الشركة التضامنيّة. شركة اقتصاديّة بإدارة تضامنيّة تكرّس مبدأ الديمقراطيّة في الإدارة.
الصعوبات التي نواجهها هو مواءمة هذه المنظومة التشريعيّة الجديدة مع بقيّة القوانين (مجلة الاستثمار، قوانين الجباية، الضمان الاجتماعي،…). ولكننا واعون بأهميّة هذه المسألة لذلك نأخذ الوقت اللازمة في الإعداد لهذا المشروع ولا نريد الذهاب به ّإلى البرلمان إلا عندما نقتنع بأنه قويّ ومدعوم من مختلف الأطراف.
لذلك شرّكنا كل الأطراف في صياغة هذا المشروع، الاتحاد العام التونسي للشغل الذي كانت له مبادرة في موضوع الاقتصاد التضامني والاجتماعي، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري. وقمنا بتركيز لجنة قيادة مكوّنة من ممثلين عن جميع الوزارات. حرصا منّا على أن يكون هذا المشروع نابعا من الواقع وبمساهمة الشركاء الاجتماعيّين وفعليات المجتمع المدني. ومن المنتظر أن يطرح هذا المشروع على مستوى رئاسة الحكومة للمصادقة عليه أواخر هذا الشهر. من أجل تمريره إلى البرلمان في أسرع وقت ممكن لأن الوضع الاقتصادي يحتاج هذا القانون.




