بقلم محمد مواعدة
من المفيد في البدء الإشارة إلى ما يلي:
يوم 17 أفريل 2017 الماضي نشرت ضمن سلسلة مذكرات مناضل وطني بجريدة “الشروق” مقال بعنوان “على أبواب الثمانين أغادر هذا المستنقع” وقد أشرت فيه إلى رداءة الحياة السياسية مما جعلها مستنقع تسوده التجاذبات السياسية والمناكفات الشخصية والنزاعات السياسوية التي أضرّت ومازالت تضرّ بالمصلحة الوطنية للبلاد وأكدت انسحابي من كل ما له علاقة بالمجال السياسي التنظيمي والميداني والإعلامي .
وقد أثار ذلك الموقف ردود أفعال سلبية معارضة وخاصة في هذه الظروف ولكن مع تطور الأحداث وتسارعها وتداخلها ازداد إلحاح العديد من الكفاءات الثقافية والفكرية على أن أعود إلى هذا المجال السياسي والإعلامي لاعتبارات وطنية وليس من حقي كمناضل وطني أن أبقى فوق الربوة وفي الأخير وإثرا حوار أخوي مع المناضلين المثقفين والإعلاميين قررت العودة إلى المجال السياسي من خلال الإعلام دون العودة إلى النشاط الميداني المباشر.
وأعني بالمناضلين الأخوين محمد الحمروني مدير جريدة “الرأي العام” وعلي اللافي المحلل السياسي المعروف واخترت أن تكون العودة عن طريق جريدة “الرأي العام” الغراء نظرا إلى دورها في بعث الأمل لدى الشعب التونسي ومواجهة ظواهر الإحباط واليأس التي تسعى أطراف عديدة إلى نشرها وترسيخها.
إذا سأعود انطلاقا من اليوم إلى الحوار مع الرأي العام الوطني والعربي والإسلامي من خلال “الرأي العام”.
إذا ها أنا أعود وأنا على أبواب سن الواحد والثمانين … 17 أفريل 2018
ونظرا إلى ما يسود الوضع العام الوطني والعالمي والدولي فإنّه من المهم البدء بالإشارة إلى طبيعة المرحلة التي نجتازها حاليا لأن فهم هذه الطبيعة وإدراك خصوصياتها يساعد إلى حدّ كبير على فهم كيفية التعامل معها والوعي بأهمية هذا التعامل.
إنها مرحلة انتقالية على درجة كبيرة من الدقة والخطورة. إنها مرحلة تجسّم الانتقال من منظومة سابقة وليس مجرد نظام سياسي في الحكم منظومة تشمل الاقتصاد والاجتماع والسياسة وبالتالي ليس من السهل التخلص من المنظومة السابقة إلى منظومة جديدة شاملة لكل المجالات.
ومن الجدير الذكر أن هذه المرحلة الانتقالية تتجاوز الواقع الوطني التونسي إلى الواقع الإقليمي والدولي إن عالمنا اليوم يعيش تحولات شاملة وعميقة ليس من السهل التنبؤ بأبعادها ويذكرنا هذا الوضع لما أشار إليه العلاّمة التونسي لأبن خلدون في “المقدمة” من حالة العمران البشري في عهده وخاصة في المشرق والمغرب العربيين إذ تهاوت الدول وأصابها الوهن “وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال… فخربّت الأمصار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن… وإذا تبدلت الأحول جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله وتحوّل العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث…” المقدمة ص51.
ومما زاد في تعقيد المرحلة الانتقالية في بلادنا اليوم إضافة إلى التحولات ألإقليمية والدولية بروز ظواهر خطيرة منها عدم وعي بعض الأطراف بخصوصية هذه المرحلة وما تتطلبه من رصانة وتعقّل وحذر.
فهنالك أطراف سياسية مازالت متشبعة بثقافة العهد السابق مما يجعلها تستعمل جميع الوسائل والأساليب لعرقلة الانتقال إلى النظام الجديد بثقافته الديمقراطية التعددية وهنالك أطراف أخرى تتصرف وكأننا نعيش حالة ديمقراطية جديدة في حين أن الوضع الجديد يحتاج إلى وقت وإلى صبر ومثابرة.
يضاف إلى ذلك تدخل أطراف عربية وأجنبية لها أهداف ومقاصد تتناقض ومصلحة المجتمع التونسي ولا شك أن هذا الوضع المتداخل والمعقد هو الذي يساهم حاليا في عرقلة المسار الانتقالي إلى الديمقراطية.
وقد نتج عن ذلك تعطّل الكثير من مصالح المواطنين في مجالات حساسة وتعطّل المؤسسات المختلفة التشريعية منها والتنفيذية خاصة ولا ننسى طبعا في هذا المجال دور الإرهاب وخلاياه النائمة وما يمثله من تهديد دائم يجعل القوى الوطنية الرسمية والشعبية تسخّر أوفر الجهود المادية والتنظيمية لمواجهته بالطرق الملائمة.
واعتقادنا أن هذا الوضع المعقد الذي تناولناه بإيجاز شديد ليحمّل جميع التونسيين والتونسيات كامل المسؤولية للتعاون والتضامن لإخراج بلادنا مما تعانيه. إنه واجب وطني وفرض عين كما يقول الفقهاء وليس فرض كفاية ولا شك أنّ القيادات السياسية والاجتماعية والثقافية والسياسية تتحمل في المقدمة هذه المسؤولية ذلك لأن ما نراه اليوم في مختلف المجالات سواء كان في مجلس نواب الشعب أو لدى بعض الأطراف الحزبية السياسية ولدى أطراف نقابية وخاصة في مجالات حساسة كالتربية لا يدل على وعي هذه القيادات بخصوصية هذه المرحلة واعتقادنا أن الدور الكبير الذي يقوم به الشيخان الباجي قايد السبسي وراشد الغنوشي من جهد مضن من أجل ترسيخ ثقافة الحوار والوفاق…
من أهم الضمانات التي تحدّد أقوم المسالك لتحقيق النجاح الانتقالي إلى الديمقراطية والتنمية الشاملة.
على أن ذلك لا يكفي وحده لتحقيق هذا الهدف بل لا بد على جميع الأطراف والمسؤولين والمناضلين بمختلف مستوياتهم المساهمة في هذا الجهد ودعمه.
إن تونس في أشد الحاجة اليوم إلى الخروج من حالة التشكيك والإحباط إلى حالة الوثوق بذاتنا الحضارية والوطنية وترسيخ الأمل حاضرا ومستقبلا .
إن تاريخ تونس العريق برجالاتها ودورها في إثراء الحضارة العربية والإسلامية ليؤكد نجاحها في تحقيق هذا المطمح النبيل.




