محمد الحمروني
لا شك أن المأساة التي وقعت في عرض سواحل قرقنة، وذهب ضحيتها أكثر من 65 شخصا إلى حد الآن، أكبر من مجرد كارثة، بل هي إلى الجوائح أو الكوارث الكبرى أقرب..
ولا شك أن لوعة وحزن وألم العائلات وخاصة الأمهات أكبر من أن نتخيلها.. ووحدهن سيظلن يحملن ندوب وأوجاع هذه الحادثة لسنين طويلة ..
ولا شك أن ردود الفعل السياسية من أحزاب ومنظمات وحكومة ومؤسسات رسمية، لم ترتق إلى حجم وهول ما وقع..
ولكن ما هو أسوا من ردة الفعل الرسمية – التي يمكن انتقادها ما في ذلك شك – هي محاولات البعض الاستثمار في المأساة لتصفية حسابات سياسية ضيقة، مع الخصوم السياسيين أو مع رئاسة الحكومة، أو مع المسار الانتقالي ككل..
بعض القنوات خرجت – أو أُخرجت – من سباتها الطويل، فعلقت مسلسلاتها واستدعت بعض نذر الشؤم، الذين يذكرون المرء بالـــ”الكائنات” القمامة، التي تقتات على النفايات، ولا يظهرون على التونسيين إلا عند الوقوع المآس.. هذه القنوات استدعت هؤلاء لتقيم حفلة ردح تذكر بسنوات 2012 و2013، ولتعلن الحرب على الدولة وليس على الحكومة، في محاولة منها لتحميل المسؤولية لرئيس الحكومة ومن ورائه الحكومة ككل ومن وراء ذلك كلّه للمسار الانتقالي الديمقراطي..
هؤلاء خرجوا ليستثمروا كالعادة في مأساة أبنائنا، ويركبوا على توابيتهم، ويقيمون حفات رقص على جثثهم، بهدف وحيد وهو تصفية حساباتهم الضيقة مع المسار والحكومة ورئيسها، ومع الخيار السياسي الذي اجمعت عليه الأطراف الوطنية بعد انتخابات 2014.
.. لسنا هنا في وارد الدفاع عن الحكومة ورئيسها، ولكننا سندافع كأشرس ما يكون على مسار اعتقدنا ولا زلنا نعتقد أنه من أبرز مخرجات ثورة الحرية والكرامة..
الحادثة كارثة حقيقية ما في ذلك شك، ولا بد أنّ هناك من يتحمّل المسؤولية هذا أكيد، ويجب أن تحدّد المسؤوليات، ولكن لا بد من فهم علمي لهذه الظاهرة يتجاوز التفسيرات السطحية التي لا تتناول مثل هذه المآسي إلا بالقدر الذي يسمح به التوظيف السياسي الرخيص للأسف الشديد.
لذلك لا بد من التأكيد وبالوضوح التام على ما يلي :
1 – أن ما وقع يتجاوز المأساة بكثير وأن ردّ فعل الجهات الرسمية لم ترتق إلى مستوى الحدث وكان يمكن في الحد الأدنى إعلان حالة الحداد لثلاثة أيام ولن يضير ذلك الدولة أو الحكومة في شيء.
2 – أن ظاهرة الهجرة السرية لم تولد أو توجد مع الثورة ومع الانتقال الديمقراطي، وهي ظاهرة قديمة جدا تعود إلى سبعينات وربما ستينات القرن الماضي، وأغلب القدماء من المهاجرين هم ممن عاشوا تجربة الهجرة السرية.. لذلك فهذه الظاهرة ليست جديدة على بلادنا حتى وإن ارتفع منسوبها بعد الثورة. وهي الى ذلك ظاهرة عالمية لا تتعلق بتونس دونا عن بلاد الدنيا.
3 – هذه المآسي المرتطبة بالهجرة السرية فضيعة ومؤلمة بشكل لا يمكن تخيله، ولكن هذه المآسي تكرّرت بعد الثورة وتكررت قبلها أيضا، بل كانت قضية الهجرة السرية محور اهتمام اجتماعات بلدان خمسة زائد خمسة، وقد كلف المخلوع حينها مركز الدراسات الاستراتيجية واستدعى بعض المختصين في قضية الهجرة كي يقدّموا له دراسة شاملة عنه، وسمح لهم بالوصول إلى كل المعطيات والاحصاءات والبيانات المتعلقة بالهجرة السرية بما في ذلك تلك الأكثر حساسية.
كما تم السماح لهم بالقيام بالدراسات الميدانية المطلوبة وتم حينها منحهم كل الصلاحيات للقيام بمهامهم.. ورغم ذلك تواصلت الهجرة السرية وتواصلت المآسي المرتبطة بها.
4 – قضية الهجرة السرية معقدة للغاية، ومن الغباء محاولة فهمها أو تفسيرها بعامل وحيد هو العامل السياسي.. فالعوامل التي تدفع إلى الهجرة السرية عديدة ومعقدة، وصحيح أن الجوانب الاجتماعية هي المحرك الأساسي للشباب لخوض هذه المغامرة، ولكن هناك عوامل عديدة أخرى تدفع بهم في هذا الاتجاه. ومن تلك التعقيدات على سبيل المثال شبكات التهريب (تهريب البشر) التي تشتغل منذ سنوات طويلة ومن قبل قيام الثورة، وهذه الشبكات مرتبطة بلوبيات وأجهزة، وهو ما يعقد عملية التصدي لمحاولات الهجرة السرية.
5 – لكل محاولة من محاولات الحرقة، ملابساتها وظروفها الخاصة بها، لذلك يجب ان تدرس كل حالة على حدة. وهو ما يطرح أسئلة مثلا عن عملية الحرقة الأخيرة من جهة قرقنة.. أسئلة عن كيفية تجمّع هذا العدد الكبير في جزيرةٍ المدخل الوحيد لها هو (البطاح) يعني مركبة بحرية، وهي جزيرة يمكن تميز الغريب فيها بسرعة كبيرة، فكيف بالمئات من الشباب من بينهم عشرات من دول أجنبية، يدخلون الجزيرة ولا يتفطن إليهم أحد. وهذا يطرح أسئلة كثيرة عن الجهوزية الأمنية وغياب أي نوع من الرقابة على مداخل ومخارج الجزيرة، وهذا بحد ذاته خطر كبير، فماذا لو كان هؤلاء (الحرّاقة) ارهابيون لا قدر الله.
7 – الجانب الأمني ورغم مشروعية مساءلته وطرح الأسئلة المشروعة عن غيابه، لا يمكن أن نفسر به أو أن نحمله لوحده المسؤولية عن هذه المأساة، فهناك جوانب تاريخية وحضارية تتعلق بغياب مساحات الأمل والحرية، والشعور بانعدام الآفاق، والحلم بأوضاع اجتماعية أكثر رفاهية، وهناك من يحلم بمزيد من التحرّر ويرى في الغرب ساحة رحبة لإشباع رغباته بكل المعاني..
أسباب عديدة ومعقدة للغاية، وهو ما يتطلب منا معالجة شاملة لهذه الظاهرة تبدأ من الاجتماعي الاقتصادي ولا تتوقف عند التربوي الثقافي والحضاري.. لذلك فإن تحميل جهة ما دونا عن غيرها المسؤولية عمّا جرى هو خطأ فادح وتشخيص خاطئ لا يساعد على ايجاد الحلول والأدوية الناجعة لهذه الآفة..
هذه المسؤولية الجماعية لا تعني عدم تحميل المسؤوليات المباشرة والمتعلقة بعناصر الشبكة التي قامت على تسفير هؤلاء، وكل من ساعدها، وسهل لها علمها، أو بالمصطلح القانوني، كل من سيكشف عنه البحث، مع التأكيد على ضرورة أن تتوافق الأحكام التي يفترض أن تصدر بحق المتهمين بالوقوف وراء هذه الكارثة، مع حجم الجرم المرتكب والفاجعة التي وقعت، عسى أن يكون القضاء أحد أدوات المعالجة الأساسية، لهذه الآفة.




