نور الدين الختروشي
ماذا يريد الشاهد؟ الأكيد أنني لست وحدي من طرح هذا السؤال “ليلة الخطاب الصادم”. الصدمة.. ومكمن الصدمة كان أساسا في استعمال منبر عمومي لتصفية حساباته السياسية، وخدمة طموحاته الشخصية، بل وخاصة لما ورد في ذلك الخطاب الذي أعلن فيه الحرب على “مشغّله” المدير التنفيذي لحزب نداء تونس.
معلوم أنّ السياق السياسي الذي تنزل فيه الخطاب هو من تداعيات التجاذبات بين حزبي الائتلاف الحاكم حول النقطة 64 من وثيقة قرطاج 2، والمتعلقة بتغيير الحكومة، والتي عارضتها النهضة بشدّة بدعوى الحفاظ على الأدنى من الاستقرار السياسي المطلوب من زاوية المصلحة الوطنية، ممّا دفع صاحب المبادرة إلى تعليق الحوار حولها.
الشاهد وببراغماتية سياسيّة جافة تلامس حدود الانتهازية “انتهز” ما أوّله على أنّه دعم غير مشروط من الغنوشي ووجه ضربة استباقية لخصمه اللدود ابن الرئيس. استراتيجية دفع الأزمة إلى حدّها السياسي الأقصى تنسجم تماما مع مطلوب الشاهد الأساسي وهو البقاء في القصبة إلى نهاية العهدة الانتخابيّة الجارية سنة 2019.
عديدة هي الأطراف التي طالبت برحيل حكومة الشاهد منها المعارضة وسندها فشل الحكومة في إنجاز برنامج الإنقاذ الوطني الذي شرّع لإزاحة حكومة الصيد منذ سنتين، ومنها الأحزاب المنشقّة عن النداء التي حاولت أكثر من مرّة تجميع جبهة سياسيّة لإسقاط التحالف الحكومي لحسابات في ظاهرها وطنيّة وفي باطنها ذاتيّة متّصلة بحروب الشقوق الندائية منذ مؤتمر سوسة إلى اليوم، ومنها ما صدر عن اتحاد الشغل الذي ينمّ أداءه وتفصح مواقفه بعد توقيعه على وثيقة قرطاج الأولى عن تردّده الخالد بين الدعم المشروط والمعارضة الجذرية لسياسات الحكومة، بل وقد لا نبتعد عن الحقيقة إذا أكّدنا على أن اتحاد الشغل هو من نصّب بالنهاية طاولة قرطاج 2 لإزاحة الشاهد رغم أن الدعوة صادرة رسميا عن رئيس الدولة. ومنها أخيرا – وهذه من غرائب المشهد – ما صدر عن حزب الشاهد نفسه الذي كان من المفترض أن يدافع إلى آخر لحظة عن رئيس حكومته.
إذا ما عددنا الأطراف المطالبة بإزاحة الشاهد، فسنجدها تمثل أغلبية الفاعلين في المشهد السياسي والاجتماعي باستثناء النهضة.
اختلاف النهضة مع الرأي أو الموقف الداعي لتغيير الحكومة مستنداته معروفة، وتقرأ ضمن التقدير السياسي السويّ بقطع النظر عن مدى صوابيّته. وهذا ما لم يلتقطه فريق الشاهد ومن دفعه إلى ارتكاب خطيئة خطابه، فقد فهم الشاهد ومن كان وما زال وراءه، أو أمامه، أن النهضة ترى مصلحتها في بقاء الشاهد، في حين النهضة وعلى ما جاء في مواقفها الرسميّة على لسان من يمثّلها أو في بياناتها الأخيرة تشدد على معطى الاستقرار السياسي والاجتماعي كأولويّة أو كدالّة مفصلية واستراتيجية لأي مبادرة سياسيّة لإصلاح الوضع أو إنقاذه .
وهذا يعني أن المشكل ليس في بقاء الشاهد أو ذهابه، بل في معطى الاستقرار وعلاقته بخيار التحوير الجزئي للحكومة أو تغييرها.
هذا ما لم يلتقطه الشاهد وفريقه واستغل توقّف الحوار وتعليقه، ليدفع النهضة إلى الزاوية الحادّة كمصطف وراء الشاهد لا كباحث عن الأسلم من بين المقاربات الموجودة.
الشاهد وهو يعلن تصريحا لا تلميحا على طموحه المشروع في قيادة مرحلة ما بعد 2019، قال في ما قال، إن معركته القادمة ستكون تحرير حزب نداء تونس من “خاطفه” قايد السبسي ويتساءل مراقبون هنا عن مصدر فائض الجرأة أو الشجاعة التي جعلت الشاهد يقلب الطاولة على “البحيرة” و”قرطاج” في نفس الوقت والتفسير الوحيد الذي يحمل معنى في الحالة ما أحال على الدعم الخارجي أو الفرنسي تحديدا حتى أن بعض التحاليل فسرت موقف النهضة بأنه استجابة لرغبة فرنسية مباشرة.
هذا في حين أكّدت تحاليل أخرى على الشعبية التي أصبح يتمتع بها الشاهد بعد إعلانه الحرب على الفساد ونجاحاته الجزئية في الملف الأمني وثقة الجهات الدوليّة المانحة فيه .
ينسى أو يتناسى القائلون بهذا التفسير أن فرنسا أو غيرها من الأطراف الخارجية المؤثرة في المشهد الداخلي معنية أوّلا بمصالحها وليس هناك من أصدقاء الشاهد أو من خصومه من يهدّد مصالحها على ما نعلم، ولا نرى مصلحة ولا حاجة للفرنسيّين في التدخّل المباشر لترجيح كف الشاهد على منافسيه في حزب النداء. فاستدعاء الدعم الفرنسي لفهم موقف الشاهد يبقى مرد تأويل أو افتراض بدون سند موضوعي فارق.
لا يمكن الجزم في مصدر قوّة الشاهد الذي يجلس على كرسي متحرك ولكن الثابت أنّه بمبادرته بالهجوم على مرؤوسيه الذين وضعوه حيث هو، قد خرج نهائيا من دائرة التوافقات السياسيّة الممكنة بين النداء والنهضة، وأي معالجة لحالة الشاهد ستكون من خارج المربعات التقليدية التي استأنستها الأطراف المعنية.
فالشاهد لم يمزق خيمة قرطاج فقط بل نطّ خارج المألوف السياسي الوطني ليقامر بحرب مفتوحة على الجميع وهو ما زال في مهد السياسة صبيا.
ولعل محاولة تعقل جنون الشاهد الوحيدة هي ما استنجدت بتجربة إمانويل ماكرون في فرنسا لتفهم أو تعقلن الخطوة المجنونة للشاهد، والأكيد أن الإحالة على “ماكرون” تبدو إسقاطا خارج سياق التجربة التونسية حالا ومآلا.
الشاهد شأنه شأن المهدي جمعة وياسين ابراهيم ورياض الموخّر وغيرهم من جيل السياسيين الجدد التي أتت بهم الصدفة إلى أعلى هرم السلطة في تونس الجديدة. أطفال الجمهورية الثانية المحظوظين جدّا صعدوا إلى مواقع أماميّة في المشهد في مسار متسارع واستثنائي من دون أن يتمكنوا من قوانين ونواميس اللعبة السياسيّة المركّبة حدّ التعقيد، سواء من زاوية أدوات الصراع وآلياته، أو من زاوية موضوع الصراع وحاجياته، وفي مقدّمتها التقدير الدقيق لموازين القوّة وتقاطع الداخلي مع الخارجي.
لذا لم يكن مستغربا بل كان من طبيعة الأشياء أن يقفز الشاهد في مجهول العنتريات التي قد تنفس عن رغبة تموقع أو تصفية حساب ولكن لا تؤسس لاستراتيجية سياسية سوية مدارها افتكاك السلطة بآليات المنافسة المشروعة وبشروطها الثلاثة المعروفة المتصلة بالأداة (الحزب تحديدا) والخطاب (البرنامج) والاستراتيجيا.
الشاهد بسياسة القفز فوق النار، يبدو وكأنه ينط خارج السياق السياسي ويخطأ من يتصور أنّ حركة النهضة قد تراهن على جموح حصان الشاهد. فالنهضة على ما يؤكد أداءها وخطابها منذ انتخابات 2014، هاجسها كان وما زال تأمين المسار، وتجنب ممكن فشله، وتبدو غير معنية بحصتها من السلطة التي يتهارج حولها ومن أجلها أغلب الفاعلين.
وما معركة الشاهد سوى معركة بقاء في القصبة وجولة تهارج بين الندائيين في أفق ما بعد انتخابات 2019، هذا في حين تبدو النهضة غير مستعجلة للمبادرة في اتجاه ما بعد 2019 . فحاجة الشاهد الآن وهنا ليست مصلحة النهضة ولا مطلوبها في المدى القريب والمتوسط، ففي الوقت الذي يعلن فيه الشاهد استعداده لدفع الأزمة الى أقصاها تبحث النهضة “كالعادة” عن شاحنة أطفاء جمر “المعارك الصغرى” مخافة أن يندلع الحريق الكبير فيأتي على السفينة ومن عليها ..
مشكلة الشاهد هي كيف يبقى في الحكم ومشكلة النهضة كيف نحكم، و بين سؤال البقاء في الحكم وكيفية الحكم تكمن مسافة بين خط الشاهد وخط النهضة وهما وبحساب وطني قريب ومتوسط خطان متوازيان لا يلتقيان إلّا اذا وافق الخوارزمي على تغيير قواعد علم الجبر.




