نوفل سلامة
بعد ما كشفه العميد شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في لقاء سابق من صعوبات تعترض عمله وتحول دونه والتقدم كثيرا في تفكيك منظومة الفساد، رأت مؤسسة التميمي أن تستضيف رئيس لجنة المصادرة السيد منير الفرشيشي لخطورة هذا الملف ولتراخي الحماس حول هذا الموضوع بعد الخيبات التي منينا بها في استرجاع الأموال المهرّبة في الخارج وللصعوبات التي تعترض عمل اللجنة في تحقيق نتائج منتظرة من مصادرة أموال رموز النظام القديم والمقريين منهم..
في هذه الندوة تحدث منير الفرشيشي بكل صراحة وحرية ودقة عن عمله على رأس هذه اللجنة وتحدث عن العراقيل والصعوبات التي وقف عليها في تحقيق الأهداف المرسومة للجنته بعد أن أصبح على رأسها منذ سنة وهو بذلك يعد رابع رئيس لها. وأول هذه الصعوبات التي حالت دون إحراز تقدم كبير في متابعة الأموال المصادرة هي الإطار القانوني والتشريعي الذي نظم عمل اللجنة وهو إطار يقول عنه الفرشيشي بأنه من أصعب النصوص التي اعترضته في فهمه وتطبيقه.
وهذا المشكل هو الذي جعل اللجنة تولد غير مرغوب فيها لدى الناس ونظرتهم إليها منذ البداية كانت سيئة وفي التصوّر الشعبي هي لجنة جعلت لتفتك أموال الناس دون وجه حق، لكن الأمر غير المعروف والغائب عند الكثيرين والمغيب من الإعلام هو أن اللجنة لا تصادر أي مال وهي تحترم حق الملكية الذي كفله الدستور ولكن نطاق عملها هو الأموال غير المشروعة والأموال المسروقة والمنهوبة. فالإطار الذي تتحرّك فيه المصادرة هو إرجاع الملكية التي حماها الدستور إلى مسارها الطبيعي والشرعي وآلية استرجاع المال عادة ما تكون قانونية تشريعية لكن في التجربة التونسية كانت الخلفيّة التي حكمت آلية المصادرة سياسية وفي الكثير من التجارب المقارنة في البلدان التي عرفت نفس الوضعية التي مرّت بها بلادنا كانت المصادرة لها خلفية قانونية بقطع النظر على المسار السياسي لذلك فإنه من المفيد أن نتوقف قليلا عند التجارب الغربية لنتبين وضعنا وهل نحن نسير في الاتجاه الصحيح في عمليّة مصادرة الأموال التي نهبها رموز النظام القديم والنجاح في استرجاع الأملاك المصادرة؟
الفكرة الأساسيّة في كل التجارب العالميّة هي أن مقاومة هذا النوع من الجرائم المرتبطة بالفساد والتي تحوّلت إلى أخطبوط وراءه عائلات نافذة تحميها قوى كثيرة فإن المسار القضائي العادي لا يفيد كثيرا وبالتالي فإن الآلية التقليدية القائمة على تقنية “الحجز” ثم المرور إلى الحكم القضائي لم تكن ناجعة كثيرا في مقاومة الظاهرة على اعتبار أن المحاكم في الكثير من الأحيان تحكم على الشخص المورّط ولكن لا تحكم بمصادرة ما تمت مصادرته لذلك كانت هذه الآليات التقليدية غير قادرة على احتواء الفساد المالي خاصة مع تطوّر تقنيات الجريمة التي أصبحت محمية ومسنودة من جهات كثيرة.
إن المشكل الذي يثيره هذا المرسوم منذ الوهلة الأولى هو في فهم هذا الفصل فإذا كان الحيز الزمني (بعد سنة 1987) والأشخاص المباشرون المعنيون بالمصادرة (قائمة اسمية واضحة) قد تم ضبطهما بكل دقة وعددهم 122 شخصا فإن الأشخاص المرتبطين بالنظام السابق والمعنيين هم أيضا بالفساد غير محصورين ونظريا فإن كل الشعب التونسي وفق هذا النص معني بهذا الموضوع بطريقة أو بأخرى فكلمة “وغيرهم ممن يثبت عليهم حصولهم…” عبارة مطلقة وواسعة وقد تشمل التونسيين الموجودين خارج حدود الوطن وهذا ما يعسر عمل اللجنة. من المشاكل الأخرى طابع المرسوم السياسي وخلفيته التي انحصرت في إطار الأشخاص الذين انتفعوا من النظام السابق وكانت لهم علاقة به والحال أن قضية محاربة الفساد كان من الأجدى أن تكون بقطع النظر عن الحقبة السياسية.
من المشاكل الأخرى والتي أحدثت جدلا قانونيّا كبيرا وتشكيكا في عمل اللجنة صدور مرسوم يضبط عملها والحال أنه كان من الأجدى أن يكون في إطار قانون فربما الظرف الذي صدر فيه هذا المرسوم هو الذي حتّم هذا الخيار على اعتبار أن مجلس النواب قد تمّ حله في سنة 2011 وتطلب الأمر إصدار مراسيم لتسيير عمل الحكومة ولكن كان من الأجدى أن يعرض هذا المرسوم على أول جلسة للبرلمان الجديد للمصادقة عليه ولكن هذا لم يقع خاصة وأن المرسوم في السلم القانوني هو بين القانون والقرار وموضوع خطير كموضوع المصادرة وجب أن يقننه القانون.
من المشاكل الأخرى، إلزام اللجنة خلال ستة أشهر من تاريخ نشر هذا المرسوم أن تعد تقريرا يحصر الممتلكات المنقولة والعقارية المصرّح بها من طرف الأشخاص الذين طالبهم الفصل 6 من المرسوم بالتصريح بديونهم لدى الأشخاص المعنيين بالمصادرة وهي مهمة صعبة في هذا الحيز الزمني لأن مثل هذا العمل يتطلب وقتا كثيرا خاصة وأن تركيز اللجنة والتحضير اللوجستي والشروع في العمل يحتاج وقتا قبل البدء في العمل الفعلي وهذه صعوبة أخرى عسرت عمل اللجنة خاصة وأن الصعوبة تكمن في التمييز بين الأموال الفاسدة من الأموال الشرعية ومن العدل والإنصاف أن لا نخلط بين الأموال التي اكتسبت بطرق شرعية والأموال التي تحصّل عليها الشخص عن طريق علاقته وانتمائه وقربه من النظام السابق.
من الصعوبات الأخرى، متابعة الأموال المصادرة والموجودة بالخارج والتي تعترضها عائق جوهري وهو امتناع الجهات الغربية عن إرجاع هذه الأموال الموجودة بالبنوك الأجنبية والمهرّبة لديها بدعوى عدم صدور أحكام قضائية نهائية تقضي بإرجاعها فالمصادرة عندهم وقبولهم بإرجاع الاموال المهربة لا تكون إلا عن طريق حكم قضائي نهائي ولا يكفي صدور قرار إداري أو تشريع خاص لذلك فهم يقولون بأن المصادرة في تونس لها طابع خاص وهي مصادرة ذات طابع إداري وهذه القراءة تثير مشكلا كبيرا وتمثل عائقا أمام الطرف التونسي لاسترجاع الأموال المنهوبة الموجودة بالخارج فكل المشكل وكل المأزق في هذه المسألة الخلافية حول الآلية التي تتم بها المصادرة وحول غياب المسحة القضائية في منظومة المصادرة التونسية.
يقول الفرشيشي: “ما حاولنا إبرازه وإقناع الطرف الأجنبي به في كل لقاءاتنا معه من أجل إرجاع الأموال المصادرة والمهربة بالخارج هو أن المصادرة في منظومتنا هي مصادرة تشريعية وهي أقوى من المصادرة الإدارية والقضائيّة فالقانون هو الذي صادر الأموال وليست اللجنة والفصل الأول نص صراحة على ذلك وعبارته كانت واضحة “تصادر لفائدة الدولة التونسية” واللجنة عملها يقتصر على حصر وضبط وتتبع هذه الأموال التي تم تهريبها وتم الحصول عليها بغير وجه شرعي وهذا ما يجعل من تجربة تونس في هذا المجال تجربة فريدة على المستوى العالمي والتجارب المقارنة”.
لكن المشكلة التي وقفت عليها في التجربة التونسية في مقاومة الفساد وفي تتبع الأموال غير المشروعة التي حصل عليها الكثير من الاشخاص بطبيعة انتمائهم إلى منظومة الحكم السابقة أو لقربهم من السلطة ما قبل الثورة هي أن منظومتنا تعرف تعدد الهياكل المعنية بمقاومة الفساد (دائرة المحاسبات والقطب القضائي والمالي ومصالح الحوكمة ولجنة التحاليل المالية وهيئة مكافحة الفساد …) وهو ما جعل عملية محاربة الفساد تتوزع على عدّة جهات لا يوجد بينها أي تنسيق أو تعاون واضح وكل ما حصل هو تعاون من منطلق الصداقات والعلاقات الخاصة ليس لدينا نص يؤطر وينظم العملية إذ ليس من المعقول أن تبقى كل هذه الهياكل تعمل على إنفراد ولا تجتمع في هيكل واحد فالتنسيق ضروري حتى نحقق النجاعة والسرعة والجدوى وفي هذا الإطار اقترح أن تجتمع كل هذه الهياكل المعنية بالفساد تحت هيكل واحد هو الهيئة الوطنية لمقاومة الفساد التي يرأسها حاليا العميد شوقي الطبيب.
ما وقفت عليه في مسألة الأموال المصادرة والموجودة في الخارج والصعوبات التي نجدها في استرجاعها هو أن الدول الغربية على غرار سويسرا مثلا تطالب بأحكام نهائية ذلك أن الأحكام الصادرة في حق المعنيين بالمصادرة هي أحكام غيابية وبالتالي ليست نهائية وهذا ما صعب الأمر على اعتبار أن إصدار أحكام نهائية بحق المعنيين هو أمر مستحيل لصعوبة جلب المعني بالأمر حتى يمثل أمام القضاء التونسي ويمارس حقه القضائي في الاعتراض فحضور الجاني ضروري لصدور حكم نهائي ولكن الأمر الذي لم يفهمه الجانب الغربي هو أن المصادرة في تونس تمت بموجب القانون والتشريع وهو تمشي مخالف للتمشي الغربي الذي لا يعرف إلا المصادرة القضائية وأمام هذا الإشكال وهذا المأزق فإن الحل الوحيد هو إجراء تنقيح على مرسوم المصادرة بشكل يجعل القرارات الصادرة عن اللجنة في إطار عملية ضبط وحصر الأموال المصادرة وتنفيذها تتم بمقتضى حكم القضاء وذلك لا يكون إلا بعرض قرارات اللجنة أمام المحكمة الادارية لإكسائها طابعا قضائيّا وبهذه الطريقة يمكن أن نذهب إلى الجهات الغربية ونعيد من جديد المطالبة باسترجاع الأموال المصادرة وقد أعدّت الهيئة في هذا الاتجاه مشروع تنقيح لمرسوم المصادرة يتجاوز النقص الحاصل ويجعل من القرارات الصادرة عن اللجنة في موضوع المصادرة غير نافذة إلا بعد المصادقة عليها من طرف المحكمة الادارية.
ما يمكن استنتاجه من خلال التحليل الذي قدمه القاضي منير الفرشيشي هو أن غياب الإرادة السياسية فما ينقص اللجنة إلى جانب المسألة القانونية هو الإسناد السياسي والرغبة الحقيقة في تحقيق المصادرة الحقيقية والرغبة الفعلية في استرجاع الأموال المهربة فلجنة تعمل بعدد قليل من القضاة وبإطار تشريعي يصعب فهمه وتطبيقه وبميزانية غير كافية ولا تفي بالحاجة هي لجنة لا يمكن أن ننتظر منها نتائج كبيرة رغم كفاءة القائمين عليها ولعل هذا الاحساس بغياب الارادة السياسية والإسناد السياسي هو الذي جعل مشروع تنقيح المرسوم المنظم لعمل الهيئة لا يرى النور إلى اليوم ويبقى في رفوف مكاتبها.




