لطفي هرماسي
بحسب تقارير وتحاليل متواترة، وخاصة منها ما ورد بالموقع الاستقصائي حول إفريقيا الفرنكوفونية “موند أفريك”، فإن وزير الداخلية المقال لطفي براهم قد التقى سرّا يوم 29 ماي 2018 بمدير المخابرات الإماراتية بجزيرة جربة ووضعا معا ملامح “انقلاب طبي” على السلطة في تونس.
وكشف نيكولا بو رئيس تحرير الموقع، الخبير في الشأن التونسي ومؤلف كتابي ” صديقنا بن علي ” و”حاكمة قرطاج… الاستيلاء على تونس” أنه أثناء اللقاء اتفق المسؤولان التونسي والإماراتي على خريطة طريق تتم بمقتضاها إقالة رئيس الوزراء يوسف الشاهد، وتعويضه بكمال مرجان على رأس الحكومة، وعزل الرئيس الباجي قائد السبسي لاعتبارات صحية مرضية، في محاكاة لسيناريو انقلاب بن علي على بورقيبة سنة 1987
كما كشف التقرير أن لطفي براهم الذي وصفه بـ “رجل الظل ذي الطموحات الكبيرة” قد سعى لتمتين علاقاته بعدد من الأطراف السياسية التي تلقت دعما ماليا إماراتيا بالإضافة إلى التقرب من حافظ قائد السبسي ابن الرئيس والأمين العام لحركة نداء تونس، الذي تجمعه علاقة متشنجة برئيس الحكومة يوسف الشاهد، كما أكّد “بو” في التقرير ذاته أن أحد الأهداف الأساسية للمخطط الإماراتي استبعاد حركة النهضة نهائيا من الحياة السياسية في تونس رغم حصولها على المرتبة الأولى في الانتخابات البلدية الأخيرة.
( 1 )
كانت كارثة غرق المركب المقل لعشرات المهاجرين التونسيين بقرقنة ووفاة العشرات منهم بما خلفته من تفاعلات، وإخفاق لطفي براهم، أو لنقل تغاضيه عن تنفيذ حكم قضائي يقضي بإيقاف وزير الداخلية الأسبق ناجم الغرسلي، من أهم الذرائع التي برّر بها الناطق الرسمي للحكومة إقالة وزير الداخلية وتكليف وزير العدل غازي الجريبي بالقيام بمهام وزير داخلية بالنيابة، غير أن موجه الإعفاءات السريعة التي شملت قيادات بالوزارة وببعض الجهات الداخلية، مثلت إشارة بأن المسألة أعمق وأخطر وأدق. كما تواتر أخبار عن أن جهات أجنبية فرنسية وجزائرية قد كشفت لرئيس الجمهورية والحكومة ما كان يحاك في الكواليس من مؤامرة كبرى تستهدف أمن تونس ومسارها السياسي، مما عجل بالقرار الصفعة الذي عجّل برحيل براهم، والمقربين منه بالوزارة، وكل من ستكشف الأيام القادمة عن ضلوعهم في مشروع الانقلاب عن المسار.
( 2 )
العجيب، أن غرفا سوداء حاقدة، سرعان ما كشف قرار إقالة لطفي براهم ما تحيكه وتتمناه لتونس ومسارها السياسي الانتقالي، فكشرت عن أنيابها، وتعالى نواحها ونباحها وعويلها من أثر الرجة التي لم تكن تتوقعها، والتي عصفت بأحلامها بالعودة إلى مربع الدكتاتورية، والنكوص عن المكاسب الديمقراطية التي تحققت للبلد منذ الثورة، فأقامت الدنيا ولم تقعدها من خلال بلاتوات مشبوهة مكشوفة كلها تحريض ضد حكومة الوحدة الوطنية ودعوات للعصيان المدني لإسقاطها.
اما الغريب، الذي لا يمكن أن يدخل تحت طائلة التصنيف، فيتمثل في ما أتاه النائب المثير للجدل منجي الرحوي، الذي لم يصوت للحكومة، ولا لوزير داخليتها، ويطالب مع جبهته لإسقاطها، وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية سابقة لأوانها. النائب ذاته جن جنونه لإقالة لطفي براهم واعتبر في تصريح له بقناة نسمة أن القرار صفقة خزي وعار بين النهضة والشاهد داعيا النقابات الأمنية إلى الانتفاض على السلطة ورفضه (أي القرار) ومن حسن الحظ أن شرفاء النقابات الأمنية رفضوا الانخراط في الأجندة الفوضوية التي دعا لها الرحوي مبينين أنهم لا يمكن أن ينساقوا وراء الدعوات الهدامة التي تروج لها بعض الأطراف السياسية.
القناة التلفزية ذاتها (نسمة) بالإضافة إلى قناتين أخريين ينصبون بلاتوهات آناء الليل وأطراف النهار، ويستضيفون لذلك كل فوضوي البلد واستئصالييها، ليفرغوا ما لديهم من أحقاد، ودعوات للفوضى والعصيان وإسقاط حكومة الوحدة الوطنية.
( 3 )
حين تلتقي أجندات الفوضويين، بأحلام المتسرعين، بطموحات الانقلابيين، بمكائد الإماراتيين، فإنه يحق لنا أن نتساءل عن الحلول التي يمكن أن تواجه بها المجموعة الوطنية هذا التطاول والتّطاوس وهذه العجرفة التي تجعلهم يتوسّلون كل الطرق والأساليب والمقاربات، ويستغلون كل المنابر المسخّرة بدورها لهذه الاجندات الهدّامة.
كما أنه يصير من المشروع لنا ان نعجب من عدم تحرك المؤسستين الأمنية والقضائية لتطبيق القوانين الصارمة في حق هؤلاء، خاصة وانهم باتوا يهددون أمننا القومي وسلمنا الاجتماعي ومؤسساتنا الدستورية ومسارنا الانتقالي ومكاسب ثورتنا.
أليس من المشروع أيضا أن نستمع، وبوضوح تام من حكومة الوحدة الوطنية إلى تحليل دقيق ومعلومات موثوقة وشرح مستفيض لما حدث يضع حدا للأقاويل والإشاعات، تردفه بقرارات ردعية تعيد للدولة هيبتها، وترسل لعموم أبناء شعبنا رسائل طمأنة هو في أشد الحاجة إليها في مثل هذه الظروف.
( 4 )
مع كل الحراك الدائر هذه الأيام، إثر إقالة لطفي براهم يقفز إلى الأذهان، حسن تقدير الأستاذ راشد الغنوشي الذي صرّح عقب تعليق العمل بوثيقة قرطاج أن حركته التي عرفت بكثرة تنازلاتها من أجل المصلحة الوطنية منذ حكومة الترويكا، لا يمكنها أن تتنازل إن تعلق الأمر بتعريض المصلحة الوطنية للخطر وهو توصيف لم يستعمله الغنوشي سابقا في حديثه عن الوضعين السياسي والاقتصادي بالبلد.
فهل كان يعلم آنذاك بما يحاك في الغرف المظلمة، أم أن الأمر يتعلق بحكمة سياسية، كانت باستمرار ومنذ قيام الثورة إحدى ضمانات عبور البلاد أزماتها السياسية بأخف ّ الأضرار؟




