بقلم محمد مواعدة
إن عبارة “الشيخان” “مثنى شيخ” له مدلولان :
- مدلول عربي إسلامي
- مدلول تونسي وطني.
- أما المدلول العربي الإسلامي فأطلقه أبرز الباحثين العرب عن الخليفتين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وقد عبر عن ذك عميد الأدب العربي الدكتور طاه حسين في كتابه “الشيخان” كما عبّر عن ذلك أيضا الأديب والباحث عباس محمود العقاد في “عبقارياته” وبالخصوص “عبقرية الصديق” و”عبقرية عمر”.
ومن المعلوم أن هذين الشيخين رضي الله عنهما هما الخليفة الأول والثاني بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ويعتبرهما أبرز الباحثين العرب والمسلمين امتدادا للعهد النبوي وبداية أساسية للعهد الرشيدي.
ولئن وضع محمد الرسول صلى الله عليه وسلم أسس الدولة الإسلامية الجديدة من حيث الاختيارات الأساسية ومن حيث الجوانب التنظيمية والإدارية فقد كان “الشيخان” امتدادا لهذا المشروع الإنساني الكبير.
وقد بيّنا ذلك بتحليل وتفصيل ملائمين في كتابنا عن “محمد صلي الله عليه وسلم النبي السياسي”.
- أما المدلول التونسي الوطني فنشير به إلى الشيخين رئيس الجمهورية الحالي الباجي قايد السبسي والشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة.
أما سي الباجي فقد عرفته بصفة شخصية منذ الستينات في القرن الماضي عندما كان عضوا في الديوان السياسي للحزب الاشتراكي الدستوري وتحمّل في تلك المرحلة مسؤوليات عديدة في وزارات السيادة.
وللأمانة التاريخية بقدر ما كان سي الباجي من أقرب الأبناء الروحيين لبورقيبة وكثيرا ما كان يقدمه عن بورقيبة الابن رحمه الله فإن سي الباجي كان بورقييا ولكنه كان ديمقراطيا.
فسي الباجي كان دستوريا ديمقراطيا وكان عنصرا فاعلا في مجموعة “الرأي” التي كان يشرف عليها المناضل الكبير حسيب بن عمار رحمه الله. وكان سي الباجي يشرف بشكل مباشر على “مجلة الديمقراطية” باللغة الفرنسية بقيت علاقتي بسي الباجي متينة ومستمرة. إنه رجل دولة من طراز رفيع و”حيوان سياسي” من طراز رفيع أيضا إضافة إلى روح وطنية عميقة
أما الشيخ راشد الغنوشي فقد تعرفنا منذ بداية السبعينات في معهد الزهراء النموذجي إذ كنا ندرس سنوات البكالوريا وكانت بيننا حوارات فكرية وثقافية معمّقة واستمرت تلك الحوارات من الجانب الفكري النظري إلى الجانب السياسي.
وللأمانة التاريخية فقد كان الشيخ راشد الغنوشي منذ المرحلة التي تعارفنا فيها ومن خلال الحوارات التي كانت تدور بيننا كان يؤمن بشكل صادق بالاختيار الديمقراطي وبحق الاختلاف وهو ما أشرنا إليه في حلاقات سابقة في هذا الركن وفي ركن كتاب الأسبوع وفي هذا الإطار كان للمفكر راشد الغنوشي دور كبير في تونسة التيار الإسلامي وكذلك كان له دور كبير في دمقرطة هذا التيار وهو ما يشيد به كبار المفكرين الإسلاميين والغربيين المعاصرين والمتابع للمراحل الفكرية والمسارات التي قطعها الشيخ راشد الغنوشي يلاحظ أنه جمع بين الفكر وبين النضال الميداني المباشر مما أدى إلى تأسيس حركة إسلامية تونسية تأثرت إلى حدّ كبير بالحركة الإصلاحية التونسية التي مزجت بين أصول المجتمع التونسي العربي الإسلامي وبين الفكر الحداثي التنويري والرموز التي تمثل هذا التمازج عديدة ومتنوعة. ولذلك لا غرابة أن يتفاعل الشيخ راشد الغنوشي مع مختلف التيارات الإسلامية لينتهي في الأخير بحكم تطوره الفكري المستمر إلى الانتقال من “الإسلام السياسي” إلى”الإسلام الديمقراطي” وهو ما أشرنا إليه في مناسبات سابقة وسنعود إلى هذه القضية الفكرية في مناسبة قادمة بصورة أكثر شمولا وعمقا.
- ومن خلال معرفتي الشخصية والمباشرة والمستمرة لهذين الشيخين نستنتج ما يلي :
- الشيخ الباجي قايد السبسي البورقيبي الديمقراطي
- الشيخ راشد الغنوشي الإسلامي الديمقراطي.
وباعتبار أن كلا منهما يعتبر أن تونس فوق الأحزاب وأن مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات الأخرى فإن هذا الارتباط الفكري والحضاري الذي جمع بين هذين الشيخين في مرحلة حاسمة ودقيقة تمرّ بها بلادنا وفي هذا الإطار يندرج لقاء باريس التاريخي.
ويخطئ من يرى أن هذا اللقاء كان لقاء عرضيا أو لقاء مناسبتيا أو ظرفيا.
إنه لقاء جمع بين مسارين في ظروف وطنية دقيقة وخطيرة وقد نتج عن هذا اللقاء التاريخي مسار وطني إستراتيجي شعاره الحوار والتوافق من أجل تونس ومن أجل إنجاح مرحلة الانتقال الديمقراطي ممّا جعلها استثناءا في الساحة العربية والإسلامية ساندته كل القوى الوطنية الصادقة وكل الأطراف الإقليمية والدولية.
وقد حقق هذا الاستثناء مكاسب عديدة لتونس ولكنه يواجه حاليا الكثير من العقبات والعراقيل مما يحتّم على الشيخين صاحبي المبادرة مواصلة رعاية هذا التوجه وصولا إلى أن يصبح الحوار والتوافق الوطني سلوكا ثقافيا بالمفهوم الأنثروبولوجي للكلمة.
إن الوضع الحالي في تونس يفرض على الشيخين المزيد من الحزم لرعاية هذا المسار. وقد أكدنا في مناسبة سابقة في هذا الركن أن المجالس البلدية المنتخبة بما تميزت به من تعدد وتنوع ستساهم إلى حد كبير وبصورة ميدانية في ترسيخ هذا التصور التوافقي رغم توقع العديد بروز إشكاليات تحددها طبيعة المرحلة الانتقالية.
ورغم دقة هذا الوضع الحالي وإطلاق صيحات الفزع من هنا وهناك فإنني لا أشك في أن تونس قادرة على اجتياز هذه المرحلة في أسرع وقت وبأقل التكاليف والتاريخ يشهد بأن تونس مرت بأزمات لا تقل خطورة وصعوبة واستطاعت تجاوزها.




