نور الدين الختروشي
هناك عدّة أوهام نتداولها ونحلل على قاعدتها بل نرسم استراتجيات عمل قصيرة أو طويلة المدى على أساسها.
ولعل من “أغرب” هذه الأوهام وأبرزها “وهم الاستقرار”. فأغلب من ضحّى بمعارك الثورة المشروعة كان تبريره السحري الجملة التالية: “من أجل أمن البلاد واستقرارها”، وغالبا ما واجهت الحكومات المتعاقبة منذ الثورة الاحتجاجات الاجتماعية بداعية ضرورة الاستقرار لاستئناف الدورة الاقتصادية، ورفضت النهضة الموافقة على النقطة 64 من وثيقة قرطاج 2 الداعية لتغيير الحكومة بمبرر الحاجة إلى الاستقرار.
ما قد غاب وما زال غائبا على صناع “فرازيولوجيا” الاستقرار هو أن المراحل “الما بعد ثورية” من سماتها بل ومن ثوابتها هو عدم الاستقرار.
ففي التجارب الثوريّة السابقة لثورتنا ترقّبت الشعوب سنوات طويلة لتثبيت شرعية الأنصبة السياسية المنبثقة عنها، وفي الحالة الفرنسية لم تستوي الثورة على شرعيتها التاريخية ومشروعيتها السياسية إلّا بعد سبعة عقود أو يزيد.
الوضع في بلادنا لن يستقر إلّا عند استكمال واجب التاريخ ومطمح السياسة. فواجب التاريخ تونسيّا هو القطيعة مع زمن الاستبداد والانتظام في زمن الحريّة، وشروط هذا الانخراط أو الاندماج في الزمن السياسي النقيض ثلاثا: أولها موت ثقافة احتكار الحقيقة الاجتماعية، وثانيا نهاية النخب المستفيدة منها، وثالثا الإجماع الأفقي أو الشعبي على أفضلية الجديد قيميا ووظيفيا على القديم.
هذا باختصار، نرجو أن لا يكون مخلّا بما يتعلق بواجب التاريخ. أمّا شرط وهاجس ومطمح السياسة في الاستقرار، فمداره ورهانه تعميد مقوّمات الاجتماع السياسي بمنظومة دستورية جديدة تؤسّس لشرعية الحكم، وتعيد صياغة العقد الاجتماعي على قاعدة السيادة الشعبية، وتستنبت له الأقوم من الآليات والأجهزة الضامنة للاستقرار والنجاعة .
في الحالة التونسيّة وبعد أكثر من سبع سنوات من إسقاط نظام المخلوع، ما تزال تونس الجديدة وبحساب التاريخ في منطقة رماديّة تتنازعها قوّة جذب خفية وظاهرة إلى زمن ما قبل العقد الاجتماعي، وما تزال بحساب السياسة تتلكأ في وضع الحجرة المرجعية في البناء الدستوري لمعموديّة نظامها السياسي الجديد، ونقصد طبعا المحكمة الدستورية.
ما تزال السياسة في تونس ما بعد الثورة تبحث بشقاء مؤلم على تأمين مسار تجاوز الحدّ التاريخي بين زمن الاستبداد وزمن الحرّية، وتبدو حركة النهضة في هذا الصدد أكثر الأطراف وعيا بتعقيد عمليّة العبور التاريخي بين الضفتين، ولعل هذا ما يفسّر موقفها المفاجئ من النقطة 64 في وثيقة قرطاج 2 والمتعلقة بتغيير الحكومة كشرط لإنقاذ البلاد من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية الحادّة. وقد كان مبرّر رفض النهضة هو الحفاظ على الاستقرار لأنّها تعي أن تواصل حالة العجز على تنشيط الدورة الاقتصادية ستعمق حالة الغضب الشعبي والاحتقان الاجتماعي، بما يوفّر للمتربصين بالتجربة في الداخل والخارج فرصةً جديدة للانقضاض عليها سواء بالانقلاب العسكري المباشر أو بتعميم الفوضى وتدمير مقوّمات الوجود السياسي المدني .
هاجس النهضة بالنهاية ليس الاستقرار في ذاته بل المسار برمّته. فالاستقرار السياسي من مقومات تحسين شروط الوجود الاجتماعي، هذا في حين ما تزال تونس الجديدة تكابد مرارة السير على طريق استكمال أسس ومقدمات وجودها السياسي الجديد، والخشية الحقيقيّة ليست من أزمة الدينار بل من مأزق تفسيخ الموجود السياسي الذي أسّست له الثورة .
ولأنّ العمليّة السياسيّة لم تستكمل مسار استجابتها لداعي التاريخ ونداء المستقبل، ولأنّ القديم ما يزال يدافع بشراسة وتصميم على مواقعه ومصالحه، فإنّ أي دعوة للاستقرار السياسي لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي، لا تحمل وهم المقاربة للحظة السياسية فقط، بل تساهم في استراتيجية بقاء القديم، لأنّها بالنهاية تبحث عن “مستحيل تاريخي” إذا قاربنا موضوعنا من جهة ثابت التموّج وعدم الاستقرار في مراحل ما بعد الثورات، وعن استحالة سياسية إذا ما قاربنا المعطى التونسي بحقيقة ضعف الشرعية الثوريّة للنخبة السياسية القادرة على حسم المعركة مع القديم والمستأمنة على المسار والمسؤولة عن حاله ومآله.
ليست النهضة وحدها من يبحث عن الاستقرار بل أن الجيوب المتضرّرة من الثورة والمتآمرة عليها ترفع شعار الحاجة إلى الأمن والاستقرار، بل أنّ المتابع النابه لاستراتيجيات وخطاب تلك الأطراف يلاحظ أنّها بقدر ما تعمل بكل الإمكانيات على تعفين الوضع ودفعه نحو الفوضى والتأزم الشامل، تركز في نفس الوقت على مشروعيّة مطلب التونسيّين وحاجتهم الخالدة للأمن والاستقرار. فمحور عمل استراتيجية تلك الأطراف تعميم الفوضى لاستغلال الحاجة للأمن والسلم الأهلي للردّة على المسار والعودة إلى نصاب قمعي يفرض ما عجزت تونس الجديدة عن إنجازه .
هنا يكمن الفارق بين متلازمة الاستقرار في خطاب النهضة وخطاب المتضرّرين من الثورة والمتآمرين عليها، ففي حين تبحث النهضة عن الاستقرار السياسي لتأمين عملية العبور التاريخي إلى الزمن الديمقراطي على قاعدة الحرية، تعمل القوى المعادية للمسار على تعفين الوضع ودفعه إلى أقاصي المجهول لتؤسس لمشروعية خطابها الداعي بالناهية إلى مقايضة الحرية بالأمن والاستقرار .
تونس الجديدة التي تخوض معركة الوجود على أصعدة متعدّدة ومتشابكة في حاجة للتخلّص من سلطة وهم الاستقرار في لحظة في مسار “ما بعد ثوري” هائج ومتموّج وفي بيئة إقليمية ودولية مرتبكة وفاقدة لبوصلة جيو-سياسية ثابتة.
هنا نفهم لماذا تتقاطع رغبة النهضة في بقاء حكومة الشاهد بهاجس حاجة البلاد للاستقرار، ونفهم أيضا مطلب المتآمرين على الثورة ومسارها الداعي لتفسيخ الموجود السياسي وتصفيته بداعية فشله في تحقيق الأمن والاستقرار، فنقطة التقاطع تتلوّن بلون المفارقة المخاتلة التي تفتح المعنى على أفقين متناقضين.
فالأفق التي تندرج فيه دعوى النهضة هو الاستقرار على أرضية الحريّة وافق الدعوى المضادة، هو مقايضة الاستقرار بالحريّة.
القوى المتضرّرة من الثورة تعمل منذ العهدة التأسيسية على خلق الحاجة للأمن بالتشويش الدائم على المسار وتفجير الأوضاع وتعميم الفوضى، وقد وجدت في الخاسرين من المحطّات الانتخابية ومن القوى الجديدة والتي من المفترض أن تكون في موقع الدفاع عن منجز 14 جانفي المجيد حليفا ثابتا ووفيّا استعمل المباح وغير المباح للتسويق إلى فشل المسار وعجز النخب الجديدة على إنجاز الموعود التاريخي للثورة (الحريّة) ومنشودها السياسي (العدالة).
ربما ما تقدّم يساهم في فهم المأزق السياسي الحاد الذي دفعت له تونس السياسة بعيد الانتخابات البلدية الأخيرة، فالخاسرون من صناديق الاقتراع لم يمهلوا البلاد كثيرا ليدفعوا إلى وضع مأزقي جديد توَّجه ما يتردّد هذه الأيّام من إحباط عمليّة انقلابيّة كانت في مراحلها الأخيرة في الأسبوع الفارط.
أيقونة الاستقرار المحتال والمخاتل والمغشوش هو حاجة القديم “لمهلته” حتى يستعيد المواقع التي تمكّنه من إعادة انتاج شروط استمراره بعد أن استعمل استراتيجية الفوضى الشاملة في زمن الترويكا.
صرّة المعنى ومداره من السابق أن الباحث عن الاستقرار في المراحل “الما بعد ثوريّة” يطارد خيط دخان .
أمننا واستقرارنا في استكمال مسار البناء الجدّي والمسؤول لتونس الديمقراطية والعدالة وهذا المسار ليس سوى جولات وأشواط متتالية من المعارك الشرسة حول العناوين والفواصل أيضا .
لنبدأ أولا بالخلاص من سلطة “وهم الاستقرار” فنبل المعنى أنسانا خبث المقصد.




