د. محمد التومي
بعد مرور قرن من الزمان على انبثاق الحركة النسوية، أخذت مفردة الجندر في ثمانينيات القرن العشرين تشق طريقها كأحد أبرز المصطلحات المستخدمة في قاموس هذه الحركة وقد ظهر مصطلح الجندر في الولايات المتحدة الأمريكية ثم انتقل إلي أوروبا الغربية. وكان مساهما في بروز مصطلح “ما بعد الحركة النسوية” كإطار لأطروحات ومطالب جديدة، أو لعله قراءة مختلفة، لمطالب المرأة، وبحثاً عن تحديد جديد لمفهومي الأنوثة والذكورة بعد أن حصلت المرأة في الكثير من دول العالم على الحق في الانتخاب والعمل، والتمتع بحقوقها كمواطنة. والجدير بالذكر أن مصطلح الجندر بدأ مصطلحا لغويا مجردا، فمصطلح الجندر Gender كلمة إنجليزية تنحدر من أصل لاتيني وتعني في الإطار اللغوي Genus الجنس من حيث الذكورة والأنوثة، لكن المرادف الحقيقي لمصطلح جندر هو الجنس الاجتماعي أو النوع الاجتماعي أو الدور الاجتماعي. يتميز جانب الجنس بحد أدنى من العوامل البيولوجية التي تجعلنا نميز جسدًا معينًا باعتباره جسد امرأة أو جسد رجل. أما الجندر فهو قصة الجسد الاجتماعية أو السيكولوجية أو الثقافية، أي أنه النظرة الاجتماعية أو السيكولوجية للاختلاف الجنسي، وهو مجموعة من الصفات المحددة ثقافيا. وترى أوكلي أستاذة الأنثروبولوجيا التي أدخلت هذا المصطلح إلى علم الاجتماع أن مصطلح Sex يترجم إلى الجنس، أي التقسيم البيولوجي من حيث هو ذكر أم أنثى؟ بينما تشير كلمة gender إلى التقسيمات الموازية وغير المتكافئة اجتماعياً للذكورة والأنوثة. وبذلك يقصد بالنوع الاجتماعي مجموعة من السلوكيات والمفاهيم مرتبطة بالإناث والذكور ينشئها المجتمع ثم ينشرها.
ثم تطور في المستوى العملي ليصبح نظرية تطمح إلى الفهم وتعميق النظر في مسائل النوع وقد كان دوره مقتصرا على التصنيف للأسماء والضمائر والصفات، وقد يرد فعلا مبنيا على خصائص متعلقة بالجنس في بعض اللغات وفي قوالب لغوية بحتة.
ثمّ ظهر الاتجاه الثاني لتعريف الجندر على أنه: “يرجع إلى الخصائص المتعلقة بالرجال والنساء والتي تتشكل اجتماعياً مقابل الخصائص التي تتأسس بيولوجياً. وتعرف الموسوعة البريطانية الجندر باعتباره شعور الإنسان بنفسه كذكر أو أنثى، ولكن هناك حالات لا يرتبط فيها شعور الإنسان بخصائصه العضوية، ولا يتم توافق بين الصفات العضوية وهويته الجندرية بالضرورة، إن هذه الهوية ليست ثابتة بالولادة، بل تؤثر فيها العوامل النفسية والاجتماعية بتشكيل نواة الهوية الجندرية وتتغير، وتتوسع بتأثير العوامل الاجتماعية كلما نما الطفل. وهو في تعريف منظمة الصحة العالمية المصطلح الذي يفيد استعماله وصف الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة كصفات مركبة اجتماعية لا علاقة لها بالاختلافات العضوية. وتعرّف وثيقة الأمم المتحدة الجندر في الباب الخامس، بما يلي “تدعيم الأسرة بشكل أفضل وتدعيم استقرارها مع الأخذ بعين الاعتبار تعدد أنماطها”.
لعله من الجدير بالذكر أن عملية إدراك معنى الجندر تقتضي ألا نأخذ بعين الاعتبار صوت النساء فقط، فقد يشكل التركيز على المرأة جزءًا من المشكلة، حيث يمكن للرجال كما للنساء أن يعانوا من عدم التمكين، فالمشاريع التحولية كثيرة، أي التي تستحدث تغييراً جذرياً، وقلما تنتبه للجندر فتدعم وضعاً راهناً غير عادل. ويتطلب التفاوض حول التغيير البنيوي مع النساء والرجال الوقت والشجاعة، مما يجعل المهمة غير جذابة للدول المانحة، والعديد من المنظمات غير الحكومية، وقد فرضت عملية الربط مع جدول أعمال نسوى مفروض من الغرب العداء إزاء تناول التغيير البنيوي في علاقات الجندر وهو ما بدا واضحا في تونس من خلال تقرير الحريات الفردية الذي بني على تصور جندري. ولم يتم تناول مسألة الفصل بين الأبعاد البيولوجية والاجتماعية، بل كانت الأولوية لدى قيادات الحركة النسوية العمل على هدم المفهوم السائد آنذاك وهو أن الخواص البيولوجية الجينية هي الفيصل الوحيد في تحديد الأدوار التي يقوم بها كل من الرجل والمرأة في المجتمع، وتبعاً لذلك فقد كان الجندر مبنيًا على أساس الجنس، وبالتالي فإنه يتشكل بيولوجيًا أكثر منه اجتماعياً، وتجاوز المصطلح خلال المرحلة الثانية من استخدامه حدود الترابط بين مصطلحي الجنس والجندر، حيث بدأ التيار المتطرف من حركة فيمنيزم بتقديم تعريف جديد لمصطلح الجندر يميزه عن كلمة الجنس؛ فأصبح يطلق على دور كل من الرجال والنساء ومكانتهم التي تتشكل اجتماعياً، وهو ما يعطي هذا التصوّر مفهوما رجراجا متحولا أبدا. والحال أن مفهوم الجندر أصبح اتجاهاً جديداً في دراسات المرأة، يرى البعض أنه طرح ليحل محل مفاهيم كانت موجودة من قبل مثل النسوية والتي أشارت إلى كفاح المرأة من أجل تغيير الأوضاع غير المتساوية بينها وبين الرجل، ويرى بعض آخر من غلاة الحركة النسوية التقليدية أن الجندر خروج عن الهدف المقدس الذي تسعى إليه المرأة في كفاحها ضد هيمنة المجتمع الأبوي، ويرى آخرون أن مفهوم الجندر منعدم النسب لا أصل له ولا تاريخ، و أيًا كان الأمر فإن الإضافة التي تميزت بها دراسات الجندر أنها موجهة لكل من الرجل والمرأة من أجل إزالة الفجوة النوعية بينهما.
ويعد مصطلح (الجندر) الأكثر شيوعاً الآن في الأدبيات النسوية، شرقا وغربا وقد عرب إلى النوع الاجتماعي أو “الجنسوية”، وهو يشير إلى الخصائص النوعية وإلى الإقرار والقبول المتبادل لأدوار الرجل والمرأة داخل المجتمع. وإن التركيز على الجندر بدلا من التركيز على المرأة وثيق الصلة بالرؤية التي تقول: إن مشكلات المرأة لا تعود بشكل أولى للفوارق البيولوجية بينها وبين الرجل، ولكن بدرجة أكبر إلى العوائق الاجتماعية والفوارق الثقافية والتاريخية والدينية، وعليه فإن التقسيم النوعي وفقاً لمفهوم “الجندر” ليس تقسيماً بيولوجياً جامداً، وإنما يستند إلى السياق العام الواسع الذي يتم من خلاله التقسيم الاجتماعي للعمل. ويقصد أيضاً بالنوع الاجتماعي مجموعة من السلوكيات والمفاهيم مرتبطة بالإناث والذكور ينشئها وينشرها المجتمع، وأن كل المجتمعات الثقافية تحول الفروقات البيولوجية بين الإناث والذكور إلى مجموعة من المفاهيم حول التفرقة والنشاطات التي تعتبر ملائمة. كما ترى فلسفة الجندر أن التقسيمات والأدوار المنوطة بالرجل والمرأة، وكذلك الفروق بينهما من ثقافة المجتمع وأفكاره السائدة، ويمكن تغيير هذه الأدوار وإلغاؤها تماماً، بحيث يمكن للمرأة أن تقوم بأدوار الرجل، ويمكن للرجل أن يقوم بأدوار المرأة، وهذا يعني أن فلسفة الجندر تتنكر لتأثير الفروق البيولوجية الفطرية في تحديد أدوار الرجال والنساء.
وخلاصة الأمر أن الأطروحة الجندرية تسعي إلى تماثل كامل بين الذكر والأنثى، وترفض الاعتراف بوجود الفروق، وترفض التقسيمات حتى التي يمكن أن تستند إلى أصل الخلق والفطرة، فهذه الفلسفة لا تقبل المساواة التي تراعي الفروق بين الجنسين، بل تدعو إلى التماثل بينهما في كل شيء. وللجندر بعد اجتماعي وتاريخي؛ لذلك ينبغي إدراكه، ليس فقط كخاصية ثابتة للأفراد ولكن كجزء من عملية مستمرة بواسطة ما يبنيه الفاعلون غالباً بأساليب متناقضة، كما أن الجندر هو خطاب ثقافي، وبذلك فهو عرضة للنضال والممارسة المستمرين. كما ذهبت دي لورليتث إلي أن مفهوم الجندر هو بناء اجتماعي وثقافي أيضًا، وأن ذلك عملية تاريخية مستمرة تدار في كل المؤسسات المجتمعية في كل يوم من الحياة، وسائل الإعلام والمدارس، والأسر، والمحاكم..الخ، وأكدت أن مفهوم تكنولوجيا الجندر بناء ثقافي اجتماعي وأجهزة دلالية، ونظام من التمثيل الذي يحدد معني الأفراد في المجتمع بإتباعها التماثل الذي هو نتاج نظرية الجندر والتي يتخذها الجندر النسوي قاعدة ينطلق منها، والمتمثلة في إلغاء كل الفروق الطبيعية أو المختصة بالأدوار الحياتية بين الرجال والنساء، والادعاء بأن أي اختلاف في الخصائص والأدوار، إنما هو خصيصة اجتماعية.




