لطفي هرماسي
مطلع شهر أوت 2013، كانت البلاد على كف عفريت، والصراع السياسي بين أنصار الشرعيّة وبين معارضيها في أشد لحظات احتدامه على إثر اغتيال الشهيد محمد البراهمي، والتحركات المريبة والحرائق والاعتصامات واقتحام مراكز السيادة وانتصاب خيام ما اصطلح على تسميته بجبهة الإنقاذ في كل مكان على امتداد الوطن الجريح الذي كان ينزف على وقع اغتيالات وعمليات إرهابية متواترة زادها تأزما القرار المفاجئ الذي اتّخذه آنذاك الدكتور مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي الذي أعلن يوم 6 أوت 2013 في كلمة قصيرة من خلال شاشة القناة الوطنية التونسية عبّر فيها عن استيائه من الصراع السياسي القائم بالبلاد وقراره الأحادي الجانب الذي لم يعد فيه لحلفائه في الترويكا والقاضي بتعليق جلسات المجلس التأسيسي حتى يتيح الفرصة للفرقاء السياسيين للدخول في جلسات حوار تحت إشراف الاتحاد العام التونسي للشغل لإنهاء الانقسام وللخروج بالبلاد من الأزمة السياسية التي كانت تعيشها.
من المفارقات العجيبة أن بن جعفر قد افتتح صباح يوم 5 أوت جلسة عامة للمجلس الـتأسيسي بنصاب مكتمل في غياب النواب المنسحبين وبحضور رئيس الحكومة علي العريّض وعدد من الوزراء لمناقشة التطورات التي تعيشها البلاد و مستجدات الوضع الأمني بها.
من المفارقات أيضا أن اتّحاد الشغل الذي اقترح بن جعفر أن يشرف على الحوار بين شقي الخلاف السياسي كان أحد الأطراف الداعمة لاعتصام النافورة والأرز بالفاكهة والذي يطالب المشاركون فيه بحلّ المجلس وإسقاط حكومة علي لعريض وتشكيل حكومة إنقاذ وطني من الكفاءات لتسيير البلاد في ما بقي من المرحلة الانتقالية، في حين تصرّ الأحزاب المشاركة في الحكومة (ومنها حزب التكتل الذي يترأسه بن جعفر نفسه) بالإضافة إلى أحزاب سياسية وقوى مجتمعية أخرى على أن المجلس التأسيسي والحكومة خطوط حمراء لا يمكن المساس بها، وأن الحوار الذي يجب أن ينطلق يكون حول خارطة طريق لإنهاء المرحلة الانتقالية واستكمال كتابة الدستور والذهاب إلى انتخابات رئاسية وتشريعية وفق القانون المنظّم للسلطات.
كان الوضع في البلاد آنذاك خطيرا جدّا، وبقدر ما كانت مكونات جبهة الإنقاذ مصرّة على المضيّ قدما في مخطّطها باقتحام مقرات السيادة (مراكز الولايات و المعتمديات في عدد من الجهات)، بقدر ما تحلّى أنصار الشّرعية وأساسا حركة النهضة برصانة سياسية تجلّت من خلال توصيات صارمة لٌقواعدها بعدم الانجرار لمربّع العنف، والرّد على استفزازات الفوضويين.
لم يكن في تلك الفترة من الممكن الحديث عن حوار أو تهدئة أو هدنة خاصة من جهة المعارضة، ولم تكن بالبلاد شخصيات سياسية واعتباريّة يمكن أن يسمع لها إن هي رامت التدخّل بالحسنى لرأب الصدع وتجنيب البلاد طبول الحرب التي كانت تدقّ يوميا في ساحة باردو وفي عدد من وسائل الإعلام، في انتظار وقوع حدث قادح صغير كان من الممكن أن يؤدّي بها ( لا قدّر الله ) إلى حمّام دماء وحرب أهلية تأتي على الأخضر واليابس مثلما حدث ويحدث في تجارب عاشتها دول عربية شقيقة.
لم يكن يدور بخلد أي طرف من الأطراف المتنازعة أنّ بارقة أمل يمكن أن تنبعث من خلال ركام الحرائق وحالة اليأس والقنوط والانسداد التي كانت تعيشها البلاد.
وكان يوم 15 أوت 2013 مفصليّا في المعركة، مفصليّا بكل ما تحمله الكلمة من معان، باعتبار الحدث وصانعيه ومضامينه وتداعياته.
يوم 15 أوت 2013 كان حدثا تاريخيا بأتم المعنى إذ شهد لقاء غير منتظر، وغير معلن، وغير متوقع بالمرّة من هذه الجهة ومن تلك حتى في صفوف قيادات الحزبين الكبيرين وأنصارهما وحلفاؤهما، بين رئيس حركة النهضة الأستاذ راشد الغنوشي ومؤسّس حركة نداء تونس الاستاذ الباجي قائد السبسي.
لقاء تناقلت خبره على استحياء مواقع، وإذاعات، ووكالات أنباء، وتواترت التصريحات من هنا وهناك بين مكذّبة، ومستبعدة، ومستنكرة، ومهوّنة، ورافضة للتعليق في انتظار أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود إلى أن صدرت عن الجهتين ما يؤكّد حدوثه.
فقد أصدرت حركة النهضة بلاغا إعلاميا أكّدت فيه أن رئيسها الأستاذ راشد الغنوشي قد التقى يوم الخميس 15 اوت برئيس حركة نداء تونس الباجي قائد السبسي، وأن اللقاء كان إيجابيا وصريحا وجاء في سياق السعي للوصول إلى التهدئة والدعوة إلى الحوار والتوافق بين مختلف الأطراف السياسية والاجتماعية في البلاد بدلا من تجييش الشارع والتصعيد، في حين ذكر بيان لحركة نداء تونس حول الموضوع ذاته أن مقابلة قد جمعت بين الرجلين وقد عبّر خلالها الباجي قائد السبسي عن تمسّكه بالأرضيّة المتفقّ عليها في إطار جبهة الانقاذ الوطني التي دعمتها المنظمّات الاجتماعيّة سعيا لإيجاد مخارج وفاقيّة للأزمة التي تمرّ بها البلاد وخاصة منها ما يتعلّق بتشكيل حكومة كفاءات تترأسها شخصيّة وطنية مستقلة كخطوة أولى للجلوس على طاولة المفاوضات داعيا رئيس حركة النهضة إلى التعاطي الايجابي مع المبادرات السياسيّة للمعارضة ومكونات المجتمع المدني والمنظمات الوطنيّة لتجنيب البلاد مخاطر هي في غنى عنها.
الباجي قائد السبسي عبّر خلال اللقاء بأن كل ما يمكن أن يفيد به هو ما اعتبره خارطة طريق لإنقاذ تونس من أزمتها تلك مشدّدا على تمسّكه بمطالب جبهة الإنقاذ، وفي المقابل أكّد زعيم حركة النهضة على أهمية التهدئة بين الطرفين في وسائل الإعلام كمقدمة لحسن النوايا الى جانب تعهّده بمراجعة موقف حركته من تحصين الثورة ومسألة الاقصاء العمري
في الجانب المضموني الصّرف، لم يكن اللقاء وفق ما رشح عنه من تسريبات من المقرّبين من الجهتين صفقة ولا اتفاقا، وإنما كان مجرّد سعي من زعيم حركة النهضة إلى كسر حاجز القطيعة، والسعي الدؤوب لإيجاد مخارج وفاقية للأزمة التي تعيشها البلاد آنذاك والتّأكّد مباشرة من مقاربة الباجي ورؤيته للحلّ خاصة لما يتمتّع به من خبرة سياسية وكاريزما وموقع متقدّم في صفوف المعارضة أو ما اصطلح على تسميته آنذاك بجبهة الإنقاذ.
الباجي قائد السبسي عبّر خلال اللقاء بأن كل ما يمكن أن يفيد به هو ما اعتبره خارطة طريق لإنقاذ تونس من أزمتها تلك مشدّدا على تمسّكه بمطالب جبهة الإنقاذ، وفي المقابل أكّد زعيم حركة النهضة على أهمية التهدئة بين الطرفين في وسائل الإعلام كمقدمة لحسن النوايا الى جانب تعهّده بمراجعة موقف حركته من تحصين الثورة ومسألة الاقصاء العمري، مؤكّدا في الآن ذاته على حقّ شركائها في ابداء الرأي والقرار في المقترحات المعروضة.
اللقاء كان بكل المعايير حدثا تاريخيا، يحسب لطرفيه أنهما كانا زعيمين بحق، وقائدين بحق، ومسؤولين وطنيين بحق في هذه البلاد.
زعيمان لأنهما نجحا في امتحان كسر الحواجز النفسية، والارتقاء فوق جراحات ماض أليم دام عقودا والقدرة على الحوار والإنصات رغم اختلاف المرجعيات والمقاربات، والرغبة الصادقة في الوصول إلى حلول تجنب البلاد كوارث الاحتراب الأهلي الذي أوشكت أن تقع فيه، ورغم ثقل ما ورائهما من تحالفات مثبّطة لكل ما يمكن أن يحدث من تنازلات موجعة للطرفين، والتحلي بروح المسؤولية التي قد تجلب الاتهامات و التخوين والاستهجان من قبل شركاء كل منهما، ممّا حدا بالأستاذ راشد الغنوشي أن يصرّح في حوار تلفزي لافت له قطعا للطريق أمام كل تشكيك من قبل حلفائه وخصومه بأنه من أجل تونس كان مستعدّا للذهاب الى غواتيمالا و ليس إلى باريس فحسب وفق تعبيره.
لقاء باريس كان حجر الأساس لانطلاق الحوار الوطني، وللانتهاء من كتابة الدستور، ولحكومة مهدي جمعة، ولانتخابات 2014 وما حدث بعدها من توافق واسع رافق مسيرة البلاد لأكثر من أربع سنوات ويسّر عليها المرور السّلس من حالة المؤسسّات المؤقتة إلى حالة المؤسسات المنتخبة ديمقراطيا.
وعلى الرّغم من السعي المحموم لبعض الأطراف الاستئصالية المؤدلجة التي تعمل وفق أجندات استئصالية داخلية وخارجية مدفوعة الأجر للدفع بالبلاد إلى الهاوية مادامت النهضة طرفا رئيسا ومشاركا في الحكم بأقدار محترمة، فإن تجربة التوافق الرائدة التي أسس لها الزعيمان الشجاعان منذ لقاء باريس التاريخي صمدت، وتحطّمت على جدرانها كل المؤامرات والتصريحات والانشقاقات، ومكّنت البلاد من شق طريقها الصعب نحو مأسسة الديمقراطية وانتخاب هيئات دستورية رقابية ضامنة لاحترام الدستور والقوانين الجاري بها العمل وداعمة لتجربة ناشئة وناجحة قادرة على الوقوف أمام أعتى عواصف الرّدّة.
ويظلّ الأمل معقودا على أن يتحوّل هذا التوافق الذي أسس له لقاء باريس يوم 15 أوت 2013 يشهد من حين لآخر اهتزازات بسبب بعض النزعات الانتخابية السياسوية إلى تحالف استراتيجي تنتج عنه كتلة تاريخية تجمع كل الأحزاب الوسطية لاسيما منها المدنية ذات المرجعية الإسلامية، والدستورية المعتدلة.




