أحمد المشرقي
كيف لنا أن نحدّد الدلالات الموضوعية للإسلام الديمقراطي؟
هل أن حقيقة هذا الموجود هي من عوارض الأشياء أم أنّه يمتلك من معاني الوجود ما يؤكد جدارته وأصالته؟
هل الحديث عن الإسلام الديمقراطي هو مجرّد دعاية إعلامية أم أّنّه تعبير عن تحوّل حقيقي تاريخي واجتماعي؟ هل أنّ هذا المولود هو سليل للإسلام السياسي أم انّه انقطاع وقطيعة مع هذا الانتماء والنسب؟
نحتاج في البداية إلى التذكير بأنّ مصطلح الإسلام السياسي يطلق في عمومه على الأحزاب والمنظّمات والحركات آلتي تتبنى مقولة أنّ الإسلام له أطروحاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومن ثمة يفهم الإسلام لدى هذه التيارات على أنّه نظام حياة ومنهج عمل إضافة إلى كونه نظام وطقوس عبادة. غير أنّ هذا الاصطلاح وإن تمّ إطلاقه في عمومه على مثل هذه التيارات السياسيّة والاجتماعية إلّا أنّه وفي مستوى من التحديد الأدق يطلق على كل من أقر بأن مستوى العمل كما مستوى النظر قد أجاب عليهما الاسلام وحدد معاني القول فيهما مع تسجيل الاختلافات البينة في معاني القول وفي حدوده ودلالاته.
هذا الحصر العام لمعاني الإسلام السياسي يجعلنا نتوقف عند الأبعاد الأولية لهذا المصطلح فنسجل منذ البداية بأن هذا المصطلح لم يطلقه أصحاب هذا التيار على أنفسهم بل هو تسمية أطلقت من غيرهم وفي أغلب الأحيان من خصومهم. فأغلب التيّارات السياسيّة والاجتماعيّة هي من اختارت توصيف نفسها وحدّدت أسمائها كدلالات لتحديد وجودها في المجال العمومي ماعدا تيّار الإسلام السياسي فقد اختير اسمه من الخصوم ونذكر بأن التيار اليساري هو من اختار أسماءه وكذلك التيّار القومي والتيار الليبرالي.
لذلك ومنذ البداية نسجّل بأنّ هذه التسمية ليست محايدة بل هي تحمل كل معاني التوصيف السلبي التي سوف نأتي عليها لاحقا فنحن لا نجد ما يسمّى باليساري السياسي أو القومي السياسي أو غيره وحتى في الأديان المشابهة لا نجد المسيحي السياسي أو اليهودي السياسي. ولمن لا يدرك جوهر الأفكار وتاريخها دعنا نذكره بأن الماركسيّة كتيّار سياسي واجتماعي هي أيضا رؤية متكاملة حول الحياة لها مقولاتها حول الدنيوي وما وراءه أي أنّها موقف ميتافيزيقي بامتياز وكذلك يبدو الأمر مع القوميّة والليبرالية أيضا.
الإسلام السياسي مصطلح قدحي يحمل معاني الاستنقاص والاتهام منذ البداية ولكنه وفي نفس الوقت يريد أن يخلق تمايزا وتمييزا بين إسلام يريده البعض من أجل السياسة وبين إسلام لا علاقة له بالعمل لأنّه مجرد عبادة ينحصر في مجال الطقوس والتعبّد
الإسلام السياسي مصطلح قدحي يحمل معاني الاستنقاص والاتهام منذ البداية ولكنه وفي نفس الوقت يريد أن يخلق تمايزا وتمييزا بين إسلام يريده البعض من أجل السياسة وبين إسلام لا علاقة له بالعمل لأنّه مجرد عبادة ينحصر في مجال الطقوس والتعبّد. ويستشهد أصحاب هذا التقسيم على دعواهم بوجود تيّارات تكتفي بالعبادة وتحصر الإسلام في المدرك التعبدي وتيارات أخرى تؤكّد على شمولية الإسلام وتعديه إلى مجلات العمل وأبعاد الحياة في تعدّد مجالاتها.
تتأكد هذه المعاني القدحية في التسمية عند من أطلقها لما نتبين ذاك النقد المعلن والذي يفصح عليه أصحابه لما يتكلمون عن ذاك التوظيف المشبوه من تيّار الإسلام السياسي للدين من أجل السلطة وتوجيه الجماهير ما يعني أن علاقة هؤلاء بالإسلام ليست علاقة عقدية ولا هي قناعة مبدئية وإنما هي توظيف براغماتي محكوم بروح الانتهازية خدمة لمصالح شخصية أو فئوية. وكثيرا ما نستمع إلى هؤلاء حيث يذكروننا بأنهم مسلمون ولكنهم لا يستثمرون في إسلامهم ولا ينحطون بدينهم الذي متى دخل في السياسة فقد أبعاده المتعالية ودلالاته القدسية.
تجد تيّارات الإسلام السياسي نفسها متهمة منذ البداية فذكر المصطلح بما يحمله من استنقاص واستهجان يدلّ على غياب أي تناول موضوعي أو علمي بقدر ما هو تناول إيديولوجي يحمل في طيّاته كل معاني الذاتية وعدم الحياد.
تقتضي المعرفة العلمية منذ البداية التخلّي عن هذا التداخل بين المعرفي والأيديولوجي كما تقتضي القطيعة مع أي نفس قدحي أو مدحي حفاظا عن معاني الحياد والتزاما بدلالات الموضوعية وقيم العلم في مقدّماتها الأوليّة ومبادئها البسيطة.
قد يرى البعض أنّ هذا الاصطلاح هو ما درج عليه الناس وأصبح من الشائع بينهم ولكن نقول لكل هؤلاء متى كان العلم والمعارف عموما تتأسس على الشائع أليس العلم في بداياته قطيعة مع اليومي وتخلّص من الشائع وتجاوز للحس المشترك؟
أريد أن أسجل مرّة أخرى أن هذا المصطلح لم يكن ببعيد عن المعارك السياسية في الفضاء العربي الإسلامي ففي الوقت الذي كانت المعركة قائمة مع هذا التيّار في الحياة الاجتماعية والسياسية كانت المعركة قائمة في مجال التداول وبناء التسمية وإطلاق الاصطلاح وكما كان هناك بوليس السجون كان هناك بوليس المفهوم بل كان التنسيق بينهما على أشدّه والأدوار كانت متبادلة وكذلك المصالح والمنافع.
لقد أطلقت هذه الجماعات على نفسها أكثر من تسمية وعملت على تعريف كياناتها بداية من منطلقات عديدة وفي أغلب الأحيان متباعدة ومتناقضة إلى حدّ التضاد المطلق وهو ما يتم إهماله مع سابق إصرار وتعمّد مقصود وقد آن الأوان لتحديد هذه الاختلافات الجوهريّة وبسط الأقوال حولها ونعلم بأنّه ليس بالأمر الهيّن ولا هو بالمطلب سهل المنال فنقله كقول وتداخله مع مجالات وقطاعات أخرى يجعل التقدّم نحوه بمثابة العيش في خطر.
فتحت الثورة العربية والتي انطلقت من تونس أفقا جديدا في النظر والعمل وهو ما يقود ضرورة إلى بحث موضوع الإسلام السياسي في علاقته بالإسلام الديموقراطي هذا النظر الجديد هو بدوره نظر ثوري أساسه بنية الثورات العلميّة مثلما نتكلم تماما عن بنية الثورات الاجتماعية. ولذلك نقول وبموضوعية سوف تسندها حجج نأتي عليها تباعا بأن الإسلام الديموقراطي هو الابن الشرعي للثورة التونسية وأنّ الاسلام السياسي هو الابن المشوه للأنظمة الديكتاتورية بضرب من التحالف الحيّ بين الكهنوت والعسكر.
لقد ولد الإسلام الديموقراطي شأنه شأن كل الأفكار الكبرى والمصيرية في سياق ثوري وهو ما يتطلّب منّا كشف طبيعة العلاقة بينهما كما نحتاج إلى معرفة جينات هذا المولود ولكن وبنفس الدرجة مستقبله وإمكاناته التي يفتتحها سوف يأتي بيانه تباعا.




