– محمّد الحمروني –
في حوار تلفزي حصل ما يشبه التوافق على أنه لم يكن أفضل من سابقه الذي عرض في قناة نسمة، أجاب رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بوضوح عن السؤال الذي انتظره التونسيون جميعا بل وحتى المهتمون بالشأن التونسي من الخارج وهو هل سيأخذ مسافة من ابنه حافظ أم سيذهب إلى الأمام في الاصطفاف معه والانتصار له؟
ومثلما انتظر التونسيون من خطاب المخلوع ليلة 13 جانفي أن يعلن موقفا من الطرابلسية وزوجته ليلى انتظرنا موقفا حاسما من مشروع التوريث الديمقراطي الذي أصبح مجرد سرّ تافه ومكشوف في محيط حافظ الذي تؤثثه جوقة توريث ليلى وحكم الطرابلسية من مدير ديوان المخلوع و”خدّام” الطرابلسية المخلص الذي صودرت أملاكه بعد الثورة عياض الودرني إلى برهان بسيس الذي لا يحتاج أي وصف أو صفة بعد أن تحوّل إلى ماركة مسجلة.
الرئيس كان حاسما وشجاعا وقاطعا في قول الحقيقة وهي أن حافظ خط أحمر لا يمكن الاقتراب منه وأن الرئيس مستعد للذهاب بعيدا دفاعا عنه، يستوي في ذلك إسقاط الشاهد وانهاء التوافق وحتى التطاول على ولاية المنستير التي بدأت منها مسيرة نداء تونس سنة 2012 عقابا للمجلس الجهوي للنداء الذي طالب بإبعاد حافظ.
لا شيء يعلو على الابن المدلل الذي يدرك أكثر من غيره أن عمره السياسي هو بالضبط عمر والده في قصر قرطاج وربما أقصر من ذلك إن تواصلت ديناميكية الهجرة المعاكسة من النداء إلى مشروع يوسف الشاهد. ولا أحد بإمكانه أن يلوم سي الباجي على عاطفة الأبوّة ولا على انحيازه السياسي لنجله على حساب على كل شيء ولكن ليس لسي الباجي الحق في خلط المفاهيم وتهديد الوحدة الوطنية بشعار مضلل وأقنعة تغطي الحقيقة.. هو تكلم كأب ونحن تلقينا الخطاب كشعب يخشى أن يفقد رمز الدولة وظيفته ودوره وخاصة إن كان هذا الشخص هو الباجي قائد السبسي بالذات الرجل الذي قاد توافقا تاريخيا غيّر مسار الأحداث لا في تونس فقط ولكن في دول الربيع العربي كافة.
الحوار يمكن اعتباره كارثة سياسية لا يمكن أن يسببها رجل مثله، فقد جاء ساعات بعد فيضانات أودت بحياة عدد من التونسيين وسببت خسائر فادحة تقدر بالمليارات لجهة الوطن القبلي وفِي ظل مخاوف من تقلبات مناخية قادمة. يعني على الشعب وهياكل الدولة ترك كل شيء والإصغاء لرئيس يحاول إقناعهم بأنه قضى أشهرا في محاولة إسقاط الحكومة وابتزاز شريكه في الحكم النهضة وسنوات في توفير الحماية والدعم ليسيطر ابنه على النداء، لتغيير الوضع نحو الأفضل في البلاد وتحسين مؤشرات الرفاه والتقدم والتنمية!!
إذا كما قلت لا لوم ولا تثريب عليك يا سي الباجي ولكن نحمد الله أن خطابك جاء في العراء السياسي مكشوفا من كل جهة وهنا نريد أن نسجّل بعض النقاط :
أولا: كان على رئيس الجمهورية أن يحلّل جيدا تداعيات حربه على الشاهد منذ دعوة الموقعين على وثيقة قرطاج لسحب الثقة منه كما فعل مع الصيد. تلك الحرب التي كشفت هدفها مبكرا وهو إخراج الشاهد وتسليم القصبة لحافظ وعزل النهضة في إطار مفهوم أكثر شراسة للوحدة الوطنية. والنتيجة أن النهضة تمرّدت بعد سنوات من التنازلات لمّا شعرت أن المطلوب هذه المرة ليس التنازل بل الاستسلام. والشاهد الذي كان شبه وحيد حينها أصبحت له الكتلة الثانية في البرلمان. والنداء الذي حاول ابتلاع الوثيقة وتدجين اتحاد الشغل يتفكك يوما بعد يوم. هل تساءل الرئيس ماذا يمكن أن يحدث مستقبلا بعد أن اختار صبّ الزيت على النار وفقد دوره كحكم؟
ثانيا: بنى الرئيس ومستشاروه استراتيجيتهم على فكرة أن النهضة ستتراجع تحت الضغط وبعد فشل هذه الاستراتيجية أصبح التهديد واضحا باللجوء إلى الخارج لتشويهها وهي خطوة تعني ببساطة موقفا لا وطنيا يحاول البعض جرّ الرئيس إليه جرّا طمعا في مكاسب لن تأتي..
ثالثا: ما هي الفائدة من تحويل الرئيس من أب للتونسيين إلى أب لابنه أشهرا قليلة قبل انتخابات قد تفضي إلى قدوم إدارة جديدة قد يكون تعاملها مع العائلة في مستوى تعامل العائلة الآن مع النخبة، ولم السعي المحموم لتدمير صورة الباجي ولمصلحة من؟
رابعا: لماذا دفع الرئيس إلى موقف صدامي مع حزب كان له خير حليف قبل أن ينقلب عليه حافظ بتحريض من بطانته الفاسدة ونتيجة غرور يرقي إلى مستوى الحالة المرضية وفِي الأقل سوء تقدير لانعكاسات الصورة التي يملكها الآن في الداخل والخارج. النهضة كما قال بيانها متمسكة بالتوافق مع الرئيس وخلافها معه حول مصير الحكومة لا يعني التنكر له ولا الارتماء في أحضان الشاهد الذي لم يجب بعد عن طلباتها حول مستقبل وجوده في القصبة.
الحوار خيّب ظننا رغم النقطة المضيئة فيه وهي التزام الرئيس بالانتخابات في موعدها بعد تسريبات من القصر عن تأجيلها عامين آخرين. ومع ذلك مازال الأمل في الرئيس الذي صرّح أكثر من مرة أنه سيعرف كيف يغادر كرسي الرئاسة. شخصيا أثق في سي الباجي ولكن الأمور إلى حد الآن لا تبشّر بالخير ونحن نعيش صراعا بين انتقال ديمقراطي ومشروع توريث لا ديمقراطي ولا عقلاني ولا أفق له وكل ما يملكه هو استغلال إمكانيات الرئاسة وما بقي من كاريزما للرئاسة لتهديد الوحدة الوطنية وإضعاف الجسد السياسي وإعادة البلاد إلى مربع الاحتقان.




