– محمد الحمروني –
النتائج التي أفرز عنها مجلس الشورى الأخير لحركة النهضة، وعبّر عنها بوضوح كبير البيان الختامي الصادر عنه، تتجاوز في أهميتها ورمزيتها وتداعياتها، ما عكسه من خط سياسي متجدد وواضح للحركة، إلى مسألة أعمق بكثير تتعلق بوحدة الحركة وتماسكها وبالتالي قوتها..
الشورى الأخير للنهضة انعقد في ظرف سياسي دقيق داخليا وعلى المستوى الوطني أيضا، خاصة بعد أن بَدَا أن التجاذبات الحادة المتعلقة بالأزمة بين قرطاج والقصبة، تسربت إلى مفاصل الحركة، وأنه يمكن خلخلة مواقفها عبر خلق (أو الاستفادة) من الضغوط التي تمارس من داخلها إضافة إلى الضغوط التي يمكن أن تمارس من خارجها..
لقد أدرك أعضاء الشورى أن المطلوب منهم هو أن يسيروا في اتجاه يعاكس ما أراده خصوم النهضة، بل خصوم الديمقراطية وأن يتحدّوا بالخصوص سلاح التخويف والترويع الذي استعمل بكثافة خلال الأسبوع المنقضي
الواضح أن الهدف لم يكن فقط هز استقرار النهضة وبث الفتنة داخلها بل معاقبة رئيسها الشيخ راشد الغنوشي لأنه اختار طريقا لحزبه رآه البعض تمردا غير متوقع بعد أن تصور كثيرون أن التنازلات التي قدمتها النهضة خلال السنوات الأخيرة علامة ضعف واستعداد للقبول بكل شيء من أجل البقاء تحت جناح الأب بل والمرور تحت جناح الابن لتحقيق أمانيه وأماني بطانته من خدام الطرابلسية السابقين.
وكان تسريب “الرسالة” التي أرسلتها بعض قيادات الحركة إلى رئيسها الأستاذ راشد الغنوشي، والاستثمار الاعلامي الواسع لذلك التسريب أحد العناوين البارزة لمشروع أزمة داخلية أريد لها أن تكون أكبر وأن تنعكس مخرجاتها ابتداء من اجتماع مجلس الشورى.
وكان المؤمل لدى البعض أن يكون هذا الاجتماع مناسبة لتفجر الخلافات والتباينات وخروج التناقضات التي تعتمل داخل الحركة الى العلن، وهو ما من شأنه أن يحقق جملة من الأهداف، كما أراد البعض من خصوم النهضة .. وتتمثل تلك الأهداف في:
- ضرب صورة الحركة، كحزب وحيد متماسك ومهيكل وموحدة وسط حالة التشظي والتشرذم الكبيرة التي يعيشها مختلف الطيف السياسي في بلادنا، وهو ما اعتبر من قبل المتابعين والناشطين واحدا من أبرز سمات هذه الحركة وأبرز عوامل قوتها.
- الايحاء من وراء ذلك بوجود أكثر من مركز للقوة داخل الحركة، وأن تلك القوى يمكن المراهنة عليها للتأثير على المواقف الرسمية للحركة التي يعبر عنها رئيسها.
- تصدير الأزمة الداخلية التي يعيشها “النداء” والأزمة ما بين القصبة وقرطاج إلى الداخل النهضاوي لتتحوّل إلى أزمة تضعف موقف الحركة وتهز صورة قيادتها وتضعف موقفها التفاوضي.
اذن، سحب التفويض من رئيس الحركة أو فرض انقلاب في موقفها من الاستقرار الحكومي، كان المنتظر من اجتماع أعاد قرارات شورى النهضة إلى واجهة الأحداث مرة أخرى علامة على أن الحركة استعادت موقعها في المشهد السياسي بالكامل بعد زلزال 2013 .
لقد أدرك أعضاء الشورى أن المطلوب منهم هو أن يسيروا في اتجاه يعاكس ما أراده خصوم النهضة، بل خصوم الديمقراطية وأن يتحدّوا بالخصوص سلاح التخويف والترويع الذي استعمل بكثافة خلال الأسبوع المنقضي وبلغ ذروته في الندوة الصحفية للجبهة الشعبية التي تتداول الألسن أنها كانت محل متابعة من أحد مستشاري رئيس الجمهورية.
التخويف من الشاهد ومن المخاطر التي يخفيها تصحيح مسار التوافق وجدا مؤسسة ديمقراطية جدية ورصينة قادرة على تمييز الغث من السمين وأخذ القرار الصحيح الذي يحافظ على مصالح الحركة ويعزز موقعها.
وما أسفر عنه الاجتماع الأخير لمجلس الشورى نسف كل ما راهن عليه خصوم النهضة، فالحركة بدت على الأقل من خلال نتائج التصويت على مقررات الاجتماع أكثر تماسكا وهو ما تعكسه نتائج التصويت على البيان الختامي الذي وقع اقراره بأغلبية كبيرة جدا..
وقيادتها خرجت أكثر قوة بعد أن دعمت موقفها التفاوضي بتفويض جديد من المجلس يخول لها إدارة الحوار مع مختلف المتداخلين في الأزمة الحكومية.. كما حافظت الحركة على نفس الخط السياسي الذي عبرّت عنه منذ بداية الأزمة والمتمثل في الدعوة إلى التوافق باعتباره ضرورة تفرضها موازين القوى في البلاد وخاصة في البرلمان، وفي نفس الوقت الحفاظ على الاستقرار الحكومي..
ان ما يجري في النهضة ليس شأنا داخليا صرفا بل هو في جوانب كثيرة منه شأن وطني يهم عموم الشعب التونسي باعتبار ان النهضة ركيزة أساسية من ركائز الانتقال الديمقراطي والاستقرار السياسي لتجبرتنا الوليدة..
وفي المقابل اختفت المقالات التي تتحدث عن انشقاقات داخل النهضة بين الغنوشي وقيادات أخرى، لتحلّ محلها تحاليل عن مرحلة جديدة لن ينفع فيها لترويض النهضة سلاح التشويه والتخويف. هذا الحزب الذي عرف كيف يبني مؤسسات قوية تعمل في تجانس تام مع كاريزما مؤسس الحزب وقائده راشد الغنوشي بشكل لا يسمح بحدوث اختراقات جدية تهدد وحدة الحركة التي لم تزدها سنوات المحنة إلا توحّدا، وسنوات الامتحان الديمقراطي إلا تشبثا بالبناء المؤسساتي وتمسكا بخط سياسي ديناميكي يجيد فن المناورة وتجاوز الفخاخ والبحث الدائم عن الحلول والبدائل باعتباره غاية الفعل السياسي الحكيم.
وقد يسال سائل عن سر الاهتمام بما يجري في الداخل النهضاوي، وعن اهمية ذلك بالنسبة للإعلاميين والمتابعين وللرأي العام الوطني، والأجابة عن ذلك ان ما يجري في النهضة ليس شأنا داخليا صرفا بل هو في جوانب كثيرة منه شأن وطني يهم عموم الشعب التونسي باعتبار ان النهضة ركيزة أساسية من ركائز الانتقال الديمقراطي والاستقرار السياسي لتجبرتنا الوليدة.. ولان ما يجري في كل الاحزاب يلقي بظلاله على الوضع العام في البلاد ولنا فيما وقع في النداء خير دليل.
إضافة إلى أننا جميعا معنيون دائما بوجود احزاب قوية ومتماسكة لأنها عماد الحياة السياسية، وغرار النهضة نتمنى ان تكون هناك احزاب قوية وفاعلة ومتماكسة، قادرة على تحمل أعباء مرحلة دقيقة من تاريخ انتقالنا الديمقراطي، وهذا ينطبق على النهضة وعلى النداء وعلى الجمهوري وغيرها.




