محمد الحمروني
توقع كثيرون أن يكون خطاب الرئيس التركي رجب أردوغان بمثابة إعلان حرب على المملكة العربية السعودية بل إن بعض وسائل الإعلام المأجورة الممولة بالمال الإماراتي استبقت الخطاب بحملة تشويهية لتركيا ورئيسها وكأنها تقول للسعودية أنه لا خيار أمامها إلا الحلف الإماراتي ومن يقف وراءه.
الرئيس التركي كان شجاعا وحكيما حين جعل الجريمة النكراء فرصة لمصالحة إسلامية تجنب شعوب المنطقة ابتزاز القوى العظمى وتحول دون الاستفراد بالمملكة العربية السعودية كما حاولوا الاستفراد بتركيا ونجحوا في الاستفراد بالعراق وليبيا وسوريا.
لا أحد يشك في أن الملك سلمان بن عبد العزيز لا علم له بالجريمة وأنه بادر إلى التحرك حال علمه بذلك بالاعتراف أولا بقتل الصحفي الشهيد جمال خاشقجي وإقالة أحد أبرز وجوه الحرس الجديد الذي برهنت سيرته في الحكم عن عدم النضج والتزلف الذي يدفع إلى المحظور.
رفض الرئيس التركي رجب أردوغان استغلال الجرم الفــظيع لتقــويض النظــام السعودي وزعـزعة أركـــان المملـكة ومــن ثم تعبيــد الطـريق أمــام مشـروع شــرق أوســط جديد تصول فيه إسرائيل وتجول
الرئيس أردوغان رفض التستر على الجريمة ولا أحد بإمكانه أن يتهم الدولة التركية بالتخاذل عن كشف الجناة بل وخلق رأيا عاما دوليا منددا بالجريمة وحائلا دون هروب المسؤولين عنها من الجزاء بفضل التدخلات الخارجية.
ولكنه في المقابل رفض استغلال الجرم الفظيع لتقويض النظام السعودي وزعزعة أركان المملكة ومن ثم تعبيد الطريق أمام مشروع شرق أوسط جديد تصول فيه إسرائيل وتجول.

نعتقد أن تل أبيب عاشت يوما صعبا بل أسودا بعد خطاب أردوغان العقلاني وبعد نجاح الملك سلمان في امتصاص الصدمة ومحاولة البحث عن مخارج تضمن:
أولا: كشف الحقيقة كاملة دون مواربة وهو ما يتطلب تسليم الجثة لأهلها وتكريم الشهيد بجنازة تليق به وتجعله في المكانة المستحقة له بين عظماء أبناء وطنه.
ثانيا: معاقبة الجناة مهما كانت مكانتهم جنائيا أو سياسيا حتى يكونوا عبرة لمن يجنح سلوكهم الأرعن إلى العنف في التعاطي مع المعارضين.
ثالثا: عودة المملكة العربية السعودية إلى دورها في رعاية الوحدة والتضامن بين المسلمين والذي تأثر دون ريب بالصراع العبثي بين الرياض والدوحة والحرب في اليمن التي أهدت فيها حسابات بن زايد الخاطئة، اليمن السعيد على طبق من ذهب إلى الحوثيين ومن وراءهم،.
إن الصدمة التي خلفتها جريمة الاغتيال الشنيعة والتي لن تنساها الذاكرة المسلمة والإنسانية قريبا أو بسهولة يجب أن لا تتحول إلى مبرر لشعارات الانتقام الموتورة ولا لدعوات الإطاحة بنظام له القدرة على محاسبة كل من تورط فيها.
أعتقد أن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أعطى المملكة العربية السعودية بخطابه العقلاني الهادئ واصراره على تبرئة الملك سلمان فرصة لمعالجة هذه القضية التي تهم بلدين إسلاميين في إطار إسلامي وبعيدا عن التدخلات الأجنبية
ولعل في الجريمة عظة وعبرة لخادم الحرمين الشريفين وحكماء العائلة الحاكمة التي ربما وضعت ثقتها في مسؤولين غير مؤهلين للحكم والمشورة وفي حلفاء أرادوا استخدام الثقل الاستراتيجي للمملكة لتحقيق مآربهم الخاصة وجعل الإصلاح ومساره السعودي مرتهنا لعلاقة جيدة بالكيان الصهيوني.
أعتقد أن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أعطى المملكة العربية السعودية بخطابه العقلاني الهادئ واصراره على تبرئة الملك سلمان فرصة لمعالجة هذه القضية التي تهم بلدين إسلاميين في إطار إسلامي وبعيدا عن التدخلات الأجنبية.
لقد فوت الرئيس أردوغان على إسرائيل فرصة الاستفراد بها في محنتها ولا شك أن الخطوات التي يقوم بها الملك سلمان على مستوى التعاطي مع الجريمة ومقترفيها وكذلك إعادة الاعتبار لعائلة الشهيد خاشقجي بعد استقبال ابنه وشقيقه لتعزيتهما، تصب في الاتجاه الصحيح وتسرع بغلق هذا الملف / الامتحان، حتى لا يتحوّل إلى ثغرة تتسلل منها التدخلات الخارجية كما حدث في غزو العراق لإيران وما تلاه من مصائب على المنطقة.

رحم الله جمال خاشقجي ولعل دماءه الزكية التي يريدها البعض فتنة بين المسلمين تزهر مصالحة ووحدة ودرسا للحكام المسلمين ومن يخدمهم بأن العنف السياسي الذي تمارسه الدولة على مواطنيها أيا كان نوعه خيار خاطئ ولا فائدة منه ولا يجر على أصحابه إلا النقم والثارات والمصير الدامي الأسود.
رحم الله جمال خاشقجي وحمى أمتنا الإسلامية من كل سوء وشكرا لكل أصدقاء الحرية والديمقراطية الذي تضامنوا مع الشهيد واصطفوا ضد هذه الجريمة البشعة التي يجب أن يغلق ملفها المؤلم بأقصى سرعة.




