م. ح
ما بين المطالبين بالتعجيل بالتحوير الوزاري، والداعين إلى تأجيله إلى ما بعد التصويت على الميزانية العامة للدولة، يبدو أن الكثير من العقبات تم تجاوزها خاصة بعد الاجتماعات الأخيرة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد، مع قيادات أبرز الأحزاب الممثلة في البرلمان ومن بينهم لقاؤه بالشيخ راشد الغنوشي، وهي لقاءات تنبئ مؤشراتها الأولى أنها كانت ايجابية مما قد يكون شجّع صاحب القصبة على المضي قدما في التحوير وعرضه قريبا على البرلمان..
إجراء التحوير، الآن وبصفة مستعجلة، بات ضرورة وطنية ملحة وعاجلة، خاصة إذا ما نظرنا إلى ضعف وارتباك أداء العديد من الوزارات من النقل إلى التجهيز إلى غيرها من الوزارات التي تعيش حالات أشبه ما تكون بالتخبط في الإدارة والتسيير
فهل يعني هذا أن كل العقبات أزيحت وأن الاتفاق بين الشاهد وبين مكونات ائتلافه الجديد بات جاهزا بشكل كامل؟ الأرجح أن الامر ليس بعد، لأن الكثير من التفاصيل لا زالت قيد النقاش والتدارس، وفق ما رشح من تسريبات عن المشاروات الأخيرة لرئيس الحكومة مع مكونات المشهد الحكومي القادم.
ولكن وفي جميع الحالات فإن إجراء التحوير، الآن وبصفة مستعجلة، بات ضرورة وطنية ملحة وعاجلة، خاصة إذا ما نظرنا إلى ضعف وارتباك أداء العديد من الوزارات من النقل إلى التجهيز إلى غيرها من الوزارات التي تعيش حالات أشبه ما تكون بالتخبط في الإدارة والتسيير.

الآن وقد حان الوقت لاجراء تحوير وزاري، يجب ان يكون هذا التحوير بعيدا عن الترضيات وعن الحسابات الحزبية الضيقة، ويكون فعّالا وناجعا حتى يساعد الحكومة على القيام بالمهام الملقاة على عاتقها في المرحلة القادمة..
ولا أعتقد أن هذه الحكومة بما تبقى لها من فترة زمنية محدودة للغاية، مطالبة بصنع المعجزات أو البدء في الاصلاحات الهيكلية أو معالجة الأزمات المزمنة في بلادنا، هي مطالبة بالاساس بانجاح الانتخابات القادمة وتوفير حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي إضافة إلى الاستقرار على المستوى الأمني بما يسمح باجراء هذا الاستحقاق الهام في أحسن الظروف، إضافة طبعا إلى التسيير اليومي للأوضاع في البلاد ومتابعة المشاغل اليومية للمواطنين كارتفاع الأسعار ومواصلة الحرب على الاحتكار ودعم المجهود الوطني للحدّ من التجارة الموازية والتهريب بصفة عامة.. وهذا لو تحقق سيكون انجازا عظيما يحسب لهذه الحكومة.
بقية الموضوعات والقضايا طويلة المدى أو ذات الطابع الهيكلي كالاصلاح الضريبي والحرب على الفساد وإصلاح الإدارة وتطوير البنى الاقتصادية فهذه قضايا تتطلب وقتا وجهدا كبيرين وهي من مهمة الحكومة القادمة التي ستكون أمامها فرصة الــ 4 سنوات لمباشرة هذه الاصلاحات..
هذه هي التحديات المطروحة على الحكومة القادمة، أما الرهانات التي لا تقل أهمية في علاقة بالتحوير الوزاري فتتعلق أساسا بعدة نقاط منها:
– أزمة الشرعية الحكومية، وهو ما ألمحت إليه العديد من الأطراف منذ بداية الأزمة بين الشاهد والنداء (شق حافظ) ثم بينه وبين رئاسة الجمهورية. وقد أشار إلى ذلك رئيس الدولة نفسه عندما قال صراحة أنه منتخب من قبل الشعب بينما رئيس الحكومة مُزكى من قبله ثم من قبل البرلمان. إضافة إلى تشكيك العديدين في شرعية الشاهد، خاصة بعد ما قيل عن انفراط عقد حكومة الوحدة الوطنية التي انبثقت عن قرطاجا الأولى.. وصولا إلى الترويج (عبثا) بأن هذه الحكومة حكومة النهضة.. التحوير الوزاري إذا ما نجح الشاهد في تمريره سيعني أن التهديد الذي كان مرفوعا بوجهه ونعني به تفعيل الفصل 99 لم يعد ممكنا.
التحـــوير إذا ما استجاب إلـى هذه الشــروط قد يكون عامل استقــرار سيــاسي مهـــم، وقـــــد يســاعد على إعــادة الثقة للتــونسيين في العمــــلية السياســـي وفـــي عملية الانتقال الديمقراطي…
– حل أزمة التوافق، التي روّج البعض إلى أنها قد تُدخل البلاد في الفوضى، وقد يُعطي التحوير الوزاري إشارة انطلاق لتوافق (حكومي)، قابل للتبلور والتحوّل إلى توافق وطني جديد، ربما يكون أوسع من التوافق بين النهضة والنداء، وقد يكون أيضا أقدر على الاستجابة لشروط المرحلة. خاصة إذا ما نجح هذا الاتفاق على التحوير الوزاري في أن يتحول إلى توافق على إدارة المرحلة على المستويين المتوسط والبعيد المدى.
– هذا التحوير إذا ما استجاب إلى هذه الشروط قد يكون عامل استقرار سياسي مهم، وقد يساعد على إعادة الثقة للتونسيين في العملية السياسي وفي عملية الانتقال الديمقراطي.. خاصة بعد العبثية إن لم نقل المراهقة السياسية التي حكمت ردود فعل بعض السياسيين في الفترة السابقة. ولكن ذلك سيكون مشروطا بأداء مختلف المكونات التي ستشارك في الحكومة والتي ستشكل أحزمة أمان بالنسبة إليها، وستكون أيضا محكومة بأداء رئيس الحكومة نفسه وبالتحديد بالفريق المصغر الذي يحيط به والذي لا يزال للأسف الشديد يثير الكثير من الاشكالات في علاقة بأبرز مكونات المشهد السياسي والحزبي في البلاد..
- الرهان الآخر وهو أقرب إلى التحدي ويتعلق بموقف رئيس الجمهورية وهل سيرضى بذهاب حزبه الذي أسسه للمعارضة بما يعنيه ذلك من إقالة وزرائه وولاته ومعتمديه وكل المسؤولين الذين دفعهم في السنوات الأخيرة إلى المسؤولية، وانتقال النداء الحزب الذي فاز في انتخابات 2014 إلى المعارضة.
- إعادة الروح، إن جاز القول، لمحسن مرزوق ولمشروعه، لأن الائتلاف الحكومي الجديد سيعطيه انطلاقة جديدة بعد أن كاد ينتهي سياسيا حتى لو تحالف مع الرياحي وحافظ.
- اختبار حركة النهضة وهل ستواصل لعب دور (أم الولد) بما يفرضه ذلك من تضحيات تقتضيها المرحلة، وتحافظ على سياستها الهادئة الرافضة للحصول على حصة في الحكم تتماشى مع حجمها وتمثيليتها النيابية، وهو ما من شأنه أن يساعد على استقرار الحكومة، أم أنها ستعمل على إملاء شروطها هذه المرة واعتبار اللّحظة مناسبة للحصول على حصة تناسب حجمها كما يطالب بعض أبنائها.
- أخيرا أي دور يمكن أن يلعبه وزير الخارجية الأسبق ورئيس حزب المبادرة كمال مرجان في هذا التحوير وهل يكون ذلك مدخلا لأدوار مستقبلية له في إطار ائتلاف واسع مع النهضة وحزب الشاهد وحزب المشروع؟




