– محمد الحمروني- .
لا أعتقد أن قيام الاضراب العام من عدمه أمر ذو بال بحد ذاته بعد الثورة، لأنها مكنت الجميع من الحق في الاضراب والتعبير إضافة الى حرية التنظم.. ربما كان للإضراب قبل الثورة – حتى وإن كان قطاعيا مثل اضراب عمال النقل (SNT) – صدى خلال عهود الاستبداد، ويقع الاهتمام به، لا للإضراب في حد ذاته، بل لما له من دلالات في ظل الحكم الديكتاتوري.. وما يترافق معه عادة من قمع وحشي بل وقتل همجي للمتظاهرين وللمواطنين.
وطيلة حكم بن علي أي طوال 23 سنة لم نشهد اضرابا عاما واحدا، لا لأن أوضاع العمّال والموظفين كانت جيدة، ولكن لأن القمع بلغ درجة في تلك الفترة، “منعت” قيادة الاتحاد من القيام بأي اضراب.
اليوم باتت الاضرابات خبزا يوميا للتونسيين، حتى بلغ عددها سنة 2013 نحو 40 ألف اضراب (في سنة واحدة).. ونفس الشيء يقال عن الاضراب العام، وقد شهدنا بعد الثورة – أي في 8 سنوات فقط – عددا من الاضرابات العامة لم نشهده طيلة منذ خروج العسكر الفرنسي من بلادنا إلى الآن..
الإضراب، هذا السلاح الاستراتيجي الذي عادة ما تلجأ إليه المنظمة النقابية، ومنه الإضراب العام، قد بدأ يفقد جاذبيته وفاعليته، وهذا طبيعي فالأسلحة الاستراتيجية إن شئنا، دورها ردعي، وتفقد نجاعتها بمجرد استعمالها..
وقبل أسابيع قليلة فقط، شهدت تونس اضرابا عاما، ترافق مع تجمع عمالي كبير في ساحة باردو، وعشنا اليوم التالي للإضراب، ولم تسقط السماء على الأرض، ولم تُفتح أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ، ولم تُفجّر الأرض عيونا، ولم ترسل علينا الريح صَرْصَرًا ولم نُنتزع كَأَعْجَاز نَخْلٍ مُّنقَعِر..

وبدا وكأن الاضراب، هذا السلاح الاستراتيجي الذي عادة ما تلجأ إليه المنظمة النقابية، ومنه الاضراب العام، قد بدأ يفقد جاذبيته وفاعليته، وهذا طبيعي فالأسلحة الاستراتيجية إن شئنا، دورها ردعي، وتفقد نجاعتها بمجرد استعمالها..
لذلك، وخشية من هذه النقطة تحديدا، رأينا بعض قيادات الاتحاد تتحدث أو تهدّد بأشياء تتجاوز الاضراب، كالحديث عن كون هذا الاضراب لن يكون كسابقيه، والتلميح إلى أجواء التوتر التي قد تجعل الأمور تخرج عن السيطرة.. وهذه في الحقيقة لا تعدو أن تكون مجرد فرقعات كلامية أراد الاتحاد من خلالها اعطاء معنى لإضرابه العام حتى لا يفقد فاعليته كما قلنا..
علينا جميعا الإقرار بأن “سياسة زيد الماء زيد الدقيق” بين الأجور والأسعار، أي المطالبة بزيادات كبيرة في الأجور، تعقبها ضرورة زيادات مشطة في الأسعار، دون أن يترافق ذلك مع زيادة في الانتاج والثروة الوطنية، هي سياسة فاشلة
وهي مجرد فرقعات لأننا لا نعتقد مطلقا أنه بالإمكان أن تقامر القيادة النقابية بالأمن العام للبلاد، أو حتى توفير الفرصة – مجرد اتاحة الفرصة- للعاملين على الارباك والفوضى.. ونعتقد أن الاتحاد بما له من مكانة تاريخية ورصيد وطني لا يمكن أن ينخرط في أي من الأجندات التي قد تربك الأمن والاستقرار لا قدر الله.
ودون الخوض في نظرية المآمرة، وما يروج من هنا وهناك عن استعمال الاتحاد في معركة القصرين (قرطاج والقصبة) بهدف الإطاحة بالشاهد، رغم يقيني أن شيئا من هذا صحيح، وهو نفس ما وقع سنة 1978 عندما خاضت وسيلة بورقيبة معركتها من أجل اسقاط الهادي نويرة عبر الاتحاد والاضراب العام تحديدا..
دون الخوض في كل هذا علينا أن نعترف جميعا أننا في مأزق اجتماعي حقيقي، فالمواطن لم يعد قادرا على تحمل الأعباء الاجتماعية الكبيرة التي ينوء بها، ولم يعد بإمكانه مجابهة الارتفاعات المجنونة للأسعار، وقدرته الشرائية انخرمت من كثرة اهترائها.. أضف عليها نسب التضخم وتراجع قيمة الدينار.. وارتفاع نسب الفائدة… وكل ما يقال في هذا صحيح ولا يجادل فيه إلا مكابر.
ولكن في المقابل، علينا جميعا أيضا الاقرار بأن “سياسة زيد الماء زيد الدقيق” بين الأجور والأسعار، أي المطالبة بزيادات كبيرة في الأجور، تعقبها ضرورة زيادات مشطة في الأسعار، دون أن يترافق ذلك مع زيادة في الانتاج والثروة الوطنية، هذه السياسة وهذا الخيار فاشل، ونقولها صراحة بأن هذه الطريقة في الزيادة في الأجور لم تزد المقدرة الشرائية للمواطن إلا اهتراء..
فتونس ووفق احصائيات صندوق النقد دولي، تدفع نحو 70 في المائة من النفقات العمومية، أي نحو 16 ألف مليار (2018) كتلة الأجور، وهي أعلى نسبة في العالم تقريبا. فماذا تبقى للتنمية وللجهات المحرومة وللبنية الأساسية، وخلق فرص للشغل؟
في المقابل فإن انتاجية الموظف التونسي ربما تكون هي الأضعف في العالم.. وهي لا تتجاوز 8 دقائق في اليوم.. ما يعني تراجعا مستمرا في الإنتاج وازديادا متواصلا في نسب التضخم.
لذلك نحن لسنا في حاجة حقيقة إلى اضراب، لأن الاضرابات زادت في تراجع انتاجية العامل التونسي وباتت تهدد الاقتصاد الوطني ككل بالانهيار.. نحن في حاجة إلى عقد اجتماعي جديد، يقوم على حوار وطني اجتماعي يضع جملة هذه النقاط على الطاولة ويتناولها في إطار نظرة شاملة تضع في الاعتبار من جهة امكانات ومقدرات الدولة، ومن جهة ثانية حاجة ومتطلبات المواطن التونسي.
وكل الفاعلين الاجتماعين يعلمون جيدا أن الحلّ في الحوار الوطني الاجتماعي وليس في الاضراب، وهذه الدعوة تكرّرت منذ فترة طويلة، ولكن يقع في كل مرة رفضها لأن هناك من يريد أن يظل “راكبا” على المطالب الاجتماعية و”قفة” الزوالي، من أجل توتير الأوضاع وخدمة أجندات الإرباك والفوضى.

وما رأيناه يوم أمس من محاولات لإفشال جلسة مجلس النواب، والتهارج الذي قادته قيادات من الجبهة، والاصرار على محاولة إفشال الجلسة كلما استأنفت نشاطها، وجرّ النواب إلى ردود أفعال متشنجة، دليل آخر على محاولات الركوب على الاضراب العام عبر تهيئة مناخات التوتير والفوضى ونشر صور توحي بعدم الاستقرار في أهم مؤسسة دستورية بالبلاد.
.. هناك من يريد أن يكون التهارج في البرلمان مقدمة لفوضى في الشارع، وهذا يذكرنا بتصريحات بعض السياسيين والنقابيين الذين أصروا على الإشارة إلى الاضراب العام لسنة 1978 وما رافقته من أحداث دموية، وكأن هناك من يريد إعادة انتاج ما عرف بالخميس الأسود في بلادنا، وهذا ما لن يحدث بإذن الله.
لن يحدث لأن الشارع التونسي أوعى من هذه النخب، وهو على اطلاع بما تُرتّب له هذه النخب وما تدفع إليه وما ترنو إليه من وراء هذا التصعيد الاجتماعي.
أيّا كانت الأوضاع فإن الخلاصة التي يجب أن نتفق عليها جميعا، مهما اختلفت مشاربنا هي أن الاضراب حق وأمن البلاد واجب..
ولن يحدث لأن لدينا مؤسسات أمنية وعسكرية وطنية، لن تقبل أن تُجرّ البلاد إلى الفوضى، وأن يتحوّل التونسيون إلى لاجئين في أصقاع الأرض بحثا عن أرض آمنة تأويهم.
ولن يحدث لأن هذا الشعب وهذه المؤسسات جربناها وخبرناها في محطات ربما أكثر خطورة، وأبانت عن معدن أصيل لا يباع ولا يُشتري عندما يتعلق الأمر بأمن البلاد والعباد.
وايا كانت الاوضاع فان الخلاصة التي يجب ان نتفق عليها جميعا، مهما اختلفت مشاربنا وهي ان الاضراب حق وامن البلاد واجب..
اما الاتحاد فعليه ان يطرح على نفسه سؤالا وحيدا بعد ان استعمل اقوى اسلحة في بداية معركته..
ماذا بعد.. الاضراب العام؟




