– أسامة عكنان –
فيلم “فتوى” من الأفلام السينمائية التونسية القليلة التي عالجت فكرة حساسة وهامة وإن لم تتمكن من الإحاطة بها إحاطة ملائمة بلغة الصورة السينمائية. ومع ذلك يبقى فيلما يتسم بقدر من الجديَّة والاحترام.
ولأنه من ناحية الشكل، أي من ناحية تَمَكُّن صُناَّعِه من أدواتهم السينمائية، لا يخرج كثيرا عن واقع وحالة الأفلام السينمائية التونسية التي شاهدناها حتى الآن، وقد تجاوز عددها العشرين فيلما ما بين قديم وحديث، فإننا سنتجنَّب الحديثَ عن هذه المسألة التي لم يعد الحديث عنها وفيها مضيفا لأيِّ جديد.
فنحن وبدون مبالغة نكاد نقتنع بأن هذا الشكل من أشكال توظيف الأدوات السينمائية، هو ظاهرة “تونسية المذاق”، وكأن صناع الأفلام السينمائية التونسيين شبه متوافقين على أن تكون الإضاءة في أفلامهم ذات طبقة منخفضة غالبا، عبر المبالغة في الاعتماد على الإضاءة الطبيعية، حتى لو كان ذلك التوظيف المنخفض لطبقة الإضاءة غير مناسب فنيا، وعلى أن تنطوي السيناريوهات فيها على قدر من الحشو الذي لا مبرِّرَ له، فقط لمجرد الإطالة بسبب قِصَر النفس السَّردي لدى كتاب السيناريو، وعلى أن تُستخدم فيها – كثيرا – الكاميرا الثابتة.. إلخ.
وبالتالي فسوف نركِّز في تحليلنا لفيلم “فتوى” على مضمونه ومحتواه، أي على الفكرة التي عالجها ذاتِها، وكيفية عرضه لها سينمائيا. ونبني تحليلنا لهذا الفيلم على الإشارة إلى ما لاحظناه من أوجه التشابه أو اختلاف بين أهم ثلاثة أفلام شاهدناها من تلك التي تعرضت لظاهرة التطرف والإرهاب وهي “ولدي”، و”زهرة حلب”، و”فتوى”.
فقد لاحظنا أن كتابَ القصة والسيناريو في تلك الأفلام يعمدون إلى عرض فكرتهم والـتأسيس لها سرديا في ضوء المعطيات التالية:
1 – الشخص المستهدف بالاستدراج إلى خندق التشدد والإرهاب شاب صغير السن، فهو طالب ثانوية عامة “باكالوريا” في فيلمي “زهرة حلب” و”ولدي”، وأكبر قليلا في فيلم “فتوى”. وهي أفلام تتجاهل واقعة أن المئات بل ربما الآلاف من المُسْتَدْرَجين ليسوا شبابا في هذه السن، بل هم في سن يتراوح من 28 إلى 35 سنة، ولا شك في أن استدراج هؤلاء له مُسَوِّغات أخرى، ويعتمد على أساليب ووسائل مختلفة تتطلب عمقا أكثر في معالجة الظاهرة بعيدا عن بساطة عرضها في نسقها العائلي والأسري.
وكأن صُناع هذه الأفلام يريدون التركيز على عنصر واحد من تلك التي تقف وراء نجاح الإرهابيين والمتشدِّدين في الإيقاع بفرائسهم، وهو عنصر لا يتوفر إلا في مثل هؤلاء الشباب الصغار، ولا يكلف أولئك الصناع عناء الخوض في حيثيات أكثر تعقيدا قد تجبرهم على الانزلاق إلى تحليل قضايا مجتمعية تصرفهم عن أهدافهم المحَّددة في تلك الأفلام، أو لا يملكون العدة الفكرية التي تمكنهم من التعاطي معها.
إنها أفلام تريد أن تقول لنا بكل بساطة: أيها الآباء، أيتها الأمهات، انتبهوا لأبنائكم، فأنتم السبب في انزلاقهم إلى الإرهاب بابتعادكم عنهم.. مع أننا نتساءل: إذا كان هذا هو سبب الظاهرة الأهم، فلماذا لم ينزلق إلى هذه الدائرة مئات الألاف من أبناء الأزواج المنفصلين والمطلقين في تونس، والملايين من نظرائهم في باقي البلدان العربية؟!!!
2 – الشخص المستهدف يسَوَّق دائما في الأفلام الثلاثة على أنه نبيل ولطيف وراقي الأخلاق وطيب القلب قبل وقوعه في فخ الاستدراج إلى التشدُّد والإرهاب، دون أن نلاحظ عليه أيَّ تغيُّرات تكون قد اعترت طبيعته الأخلاقية حتى وهو يقاتل في صفوف الإرهابيين، وذلك في “ولدي” و”زهرة حلب”، أو وهو جزء من المتطرفين حتى لو لم ينتقل معهم إلى مرحلة القتال في سوريا والعراق وذلك في فيلم “فتوى”.
وكأـن صناع تلك الأفلام يريدون إقناعنا من خلال هذه الطريقة في عرض شخصية المستهدَف بالاستدراج، بأنه هو ذاته مقتنعٌ بوجوده في المكان الخطأ الذي لا ينسجم مع طبيعته كثيرا. وهي مسألة غير مقنعة يلجأ إليها صُناع تلك الأفلام استجابة لنوازعهم الخاصة البعيدة عن الواقع.
وكأنهم لا يرغبون في الاعتراف بأن المستدرَج مستعدٌّ بحكم ذهنيته ونفسيته وبُنيته وأخلاقه وطبيعته وبيئته المجتمعية والثقافية التي نشأ وتربى فيها، لأن يصبحَ متطرفا وإرهابيا لأسباب أحسن الإرهابيون استخدامَها، وأنهم – أي كتاب السيناريو – يريدون فقط تسويق أن هؤلاء المتطرفين اعتدوا على النبل والطيبة والأخلاق في هؤلاء الشباب الصغار. حيث لم ترد في الأفلام الثلاثة أيُّ مسوغات تجعلنا نتقبل هذه الصورة المثالية التي غالبا ما حرص راسموها على تصوير حب الشباب المستدرَج للفن والموسيقى والرسم.. إلخ، وهي العناصر التي يمثل انتزاع أولئك الشباب منها نوعا من الوحشية بتحويلهم من محبي فنون راقية إلى وحوش وقتلة.
إذ لماذا يبقى هذا المستدرَج مختلفا عن الباقين، مع العلم بأن معظم الآخرين الذين معه هم أيضا كانوا مثله وتمَّ استدراجهم إلى هذا الدائرة. فكيف وعلى أيِّ أساس يتغير الجميع وبتوحشون وينقلبون إلى عدوانيين واستعلائيين، إلا بطل فيلمنا فيبقى على طيبته ونبله وأخلاقه دون أن يتغير؟!!
إنه في واقع الأمر التقسيم النمطي للخنادق، وهو التقسيم غير العقلاني ولا المنطقي ولا الصحيح أصلا، والقائم في فكرة أن الإرهابيين المستدرِجين “بكسر الراء” يمثلون حالة معزولة وقائمة بذاتها، وتحاول الاعتداء على المجتمع من خلال أولئك المستدرَجين “بفتح الراء”، والذين يمثلون الطهر والنقاء.. إلخ. ولا شك في أن هذا الأسلوب في عرض القضية ومعالجتها أسلوب لا يساعد على تشخيصها وعلاجها من حيث المبدأ.
3 – الأسر التي ينتمي إليها الأشخاص المستهدفون فيها دائما مشكلة اجتماعية ما، هي “الانفصال” بين الزوجين في فيلمي “زهرة حلب” و”فتوى”، وحالة من الفتور بينهما في فيلم “ولدي”. وكل واحد من الوالدين يحمِّل المسؤولية فيما آل إليه الابن إلى الطرف الآخر. أي أن صُناع تلك الأفلام يحرصون على عدم تقديم أيِّ تفسير للظاهرة خارج نطاق المشكلات الأسرية النمطية والتقليدية والقائمة في العلاقة بين الأبوين.
وفي هذا غلوٌّ في عزل هذه الظاهرة الخطيرة عن سياقاتها المجتمعية الأخرى، إذ أن معظم المتشددين والإرهابيين ينحدرون من أسر ليست فيها مشاكل ناتجة عن توتر العلاقات بين الزوجين عادة. وبالتالي فإن تلك الأفلام تُغَرِّد في تشخيصها للظاهرة خارج نطاق “سيكولوجيا البناء المجتمعي” القادر على العرض الصحيح ووضع الحل المناسب لها.
4 – في الأفلام الثلاثة ينحدر الشباب الذين تمَّ استدراجهم من أُسَرٍ مُرَفَّهَة وذات وضع مادي ميسور، لا بل إن فيلم “فتوى” يقدم لنا شابا والداه مثقفان، ووالدته تحديدا برلمانية، أي أنه من عِلْيَه القوم. ومع أن مثل هذا النوع من الشباب موجود في أوساط المستدرَجين بكل تأكيد، لكن الإصرار دائما على استبعاد عناصر الفقر والبطالة والعوز والحاجة وخيبة الأمل والتيه والتبعية المفرطة للأجنبي.. إلخ، عن مُسَوِّغات الوقوع في حبائل الاستدراج إلى فخ التطرف والإرهاب، يشي إما بعدم وعي بالظاهرة، وإما بعدم براءة في عرض الظاهرة عبر عدم ربط أيِّ مُكون من مكوناتها بأمور منطقية يمكن التعاطي معها وتقديم حلول لها.. إلخ، والإبقاء على الظاهرة مجرد حالة هوس ديني، واستعلاء اجتماعي معزول عن أيِّ سياق منطقي، كي يقتنع المتلقي لهذه الأفلام بأن القضية كلها لا علاقة لها بالحالة الاقتصادية والسياسية للبلاد، ولفئات واسعة من المواطنين الذين يعانون فيهربون إلى التطرف والإرهاب بحثا عن حل لمشكلاتهم في الدين الذي يصبح من السهل استدراجهم إلى أشد أشكاله تشددا وتطرفا.
خلاصة القول أن السينما التونسية ما تزال لم تتحرَّر من النمطية والاختزال والتسطيح التي أوقعتنا فيها السينما المصرية وهي تعالج ظاهرة الإرهاب، حاشرة إياها في أضيق الأركان والزوايا البعيدة كلَّ البعد عن تشخيصها على نحو سليم وموضوعي عبر الزَّج بها على الدوام في فضاءات الرؤى الأمنية الفَجَّة للأنظمة التي تحرص دائما على تقديم الظاهرة عبر كل وسائل التخاطب المجتمعي على نحو يعزلها عن سياساتها وفسادها واستبدادها وتبعيتها.. إلخ، لتبقى دائما هي صمام الأمان، ولكي يبقى الناس بعيدين عن ربط الظاهرة بحالة الانهيار والضياع والتشتت التي يسببها النظام في حياتهم.




