كشفت مصادر سورية محليّة مطلعة عن سقوط عدد من القتلى والجرحى يوم الجمعة الماضي في اشتباكات بين قوّات روسيّة وإيرانية بكل من دير الزور وحلب السوريتين.
ونقلت وكالة الأناضول عن هذه المصادر أن سبب الحادثة تلاسن حاد وقع عند حاجز لقوّات الحرس الثوري الإيراني أوقفت موكبا للشرطة العسكرية الروسية في مدينة الميادين بريف دير الزور، قبل أن يتحوّل التلاسن إلى اشتباكات بين الجانبين أسفرت عن وقوع قتيلين في صفوف الحرس الثوري، وأربعة جرحى من عناصر الشرطة العسكرية الروسية.
وتزامن ذلك مع اشتباكات أخرى وقعت بين الجانبين بالمطار الدولي الواقع شرقي مدينة حلب، لم تعرف الخسائر الناجمة عنها بعد. ووقعت اشتباكات حلب بعد أن طالبت القوّات الروسية من الحرس الثوري ومجموعات تابعة له بإخلاء المطار.
وتؤشّر هذه التطوّرات وفق العديد من المتابعين على تصاعد التوتر والتنافس على الهيمنة بين القوّات الروسيّة والإيرانية بسوريا وازدياده بشكل لافت في الآونة الأخيرة. ولم تعلق أيّة جهة رسميّة – لا روسية ولا إيرانيّة – على الاشتباكات بين قوّاتهما في سوريا.
التواجد في سوريا
وكانت إيران تدخّلت في وقت مبكّر في الصراع السوري، ونشرت بعض قوّاتها النظامية هناك لدعم نظام الرئيس بشار الأسد. وتشير بعض التقارير إلى أن إيران سحبت قواتها النظامية من سوريا وأصبحت تعتمد على من تسميهم المستشارين العسكريين، وهم جزء من قوات (الباسدران) أي حراس الثورة، ويعرف عنهم تحرّكهم بموازاة الجيش النظامي، وبالتحديد فيلق القدس. وتعتمد طهران أيضا على العديد من المليشيات الشيعيّة الموجودة في سوريا، وعلى حليفها الاستراتيجي والعقدي حزب الله اللبناني. وتعتبر المليشيات الإيرانية القوّة الأجنبية الأكبر انتشارا في سوريا، وتتضارب التقديرات بشأن أعدادها. ومعظم المقاتلين الموجودين ضمن هذه المليشيات من الحرس الثوري وقوات الباسيج، فضلا عن مليشيات أفغانية. وتحتضن معامل الدفاع بمنطقة سفيرة في الشمال السوري أكبر القواعد الإيرانية.
ورغم أن المليشيات الإيرانية تنتشر بعموم البلاد، فإنها تتركز بشكل رئيسي في جنوب العاصمة دمشق وريف حلب الجنوبي وأيضا ريف حمص الشرقي. أما روسيا فتقيم عدة قواعد عسكرية هناك من أهمها قاعدة حميميم باللاذقية، والتي تحتضن طائرات سوخوي وطائرات تجسّس وحاملات الدبابات، إلى جانب المدافع وصواريخ أس 400 وغيرها. كما تملك قاعدة في طرطوس وهي القاعدة الروسية البحرية الوحيدة بالمتوسط، وتمثل رمزا لنفوذ موسكو بمنطقة الشرق الأوسط، إلى جانب قاعدة في تدمر تضم العديد من الجنود والضباط. وبموجب اتفاقيات بين موسكو ودمشق، يحق لروسيا نشر قوّات عسكرية خارج القواعد، كما تنشر شرطة عسكرية في بعض المدن التي خرجت منها المعارضة.
اتفاق روسي أمريكي
وكانت تسريبات إعلاميّة تحدثّت منذ فترة عن اتفاق روسي- أمريكي على خروج إيران من سوريا، ولكن المتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف نفى حينها ما تناقلته بعض وسائل الإعلام بأن يكون إخراج القوات الإيرانية من سوريا هو الموضوع الرئيسي للمباحثات التي جرت في فنلندا منتصف شهر جويلية من السنة الماضية بين الرئيس الروسي ونظيره الأميركي في قمّة هلسنكي. وكان التواجد العسكري الإيراني في سوريا مثار قلق للكيان الصهيوني، خاصة بعد ان بدأت تلوح في الأفق معالم نهاية الصراع في سوريا واندحار القوى المعادية للنظام وعلى رأسها تنظيم الدولة. وتصاعد التوتر بشكل لافت في بداية شهر ماي من السنة الماضية حين تبادل الطرفان هجمات صاروخية إثر اتهام إسرائيل لأوّل مرّة فيلق القدس الإيراني بالمسؤولية عن إطلاق حوالي عشرين صاروخا من مواقع في سوريا على أهداف داخل إسرائيل. ويعتقد خبراء اسرائيليون أن هدف إيران “من الوجود في سوريا لم يعد المشاركة بالمعارك وإنما الردع، وفي هذه الحالة لا ترسل طهران جنود الجيش النظامي لتنفيذ أجندتها”. بل إن إيران حسب هؤلاء الخبراء تعتمد بدلا من ذلك على من تُسميهم مجازا “المستشارين العسكريين” الذين هم في واقع الأمر جزء من قوّات حراس الثورة. ويتوزّع عناصر هذه القوّات في الوقت الحالي ما بين خبراء صواريخ بالستية وخبراء قيادة واتصالات واستخبارات، فهم من يتحكمون فيما له علاقة بالقوة الرادعة. وتقدر مصادر اسرائيلية عددهم بحوالي ألف عنصر رغم أن الخبراء الاسرائيليون يؤكدون أنه “لا أحد يستطيع تقديم أرقام دقيقة لأن إيران تعتمد أيضا على المليشيات الشيعية الموجودة في سوريا وكذلك على حزب الله”.
أهداف إيران
ويرى الباحث في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية (IRIS) المتخصص في شؤون الشرق الأوسط كريم باكساد أن إيران تدرك أنها “لا يمكن أن تحافظ على قوات لها في هذه المنطقة الواقعة على الحدود مع إسرائيل بشكل دائم”. وعليه، فإن هدفها على المستوى المتوسط هو البقاء في سوريا وقتا كافيا لضمان إرساء نظام حكم مناسب لها لا تتضرّر معه مصالحها في هذا البلد، أما على المدى المستوى الاستراتيجي البعيد فإن هم طهران هو “تأمين ممرّ برّي يربط إيران بلبنان والبحر المتوسط لتصدير غازها ونفطها إلى أوروبا”.
وبخصوص مواقع القوّات الإيرانية في سوريا وما إذا كانت تمثل خطرا حقيقيا على إسرائيل، يؤكد باسكاد أن تلك المواقع معروفة لدى كل أجهزة الاستخبارات، وأن لإسرائيل -وهي جارة سوريا – الحق في أن يمثل وجود تلك القوات بمواقعها الحالية مصدر قلق لها نظرا إلى أن طهران ما فتئت تتعهد بأنها ستدمر إسرائيل.
إذا لم تخف حدة التوتر فإن باسكاد لا يستبعد أن تتورّط قوات أخرى مؤيدة لإيران وموجودة في الساحة السورية مثل قوات النظام وحزب الله والمليشيات العراقية، مما ينذر بإشعال المنطقة، على حد تعبيره.
وفي تصريحات أطلقت في وقت سابق من هذه السنة أكد القادة الروس حفاظهم على أمن إسرائيل ووقوفهم إلى جانبها أمام الأخطار التي تتهدّدها. واستغرب الكثير من المتابعين – سلبية – الروس أمام الهجمات التي نفّذها الكيان ضد مواقع لإيران وحزب الله في سوريا لا سيما العاصمة دمشق. وذهب البعض إلى أن تلك الهجمات تتم بالتنسيق وفي أدنى الحالات بعلم روسي مسبق.




