جليلة فرج
رغم التصويت بإجماع النواب الحاضرين على مشروع القانون الأساسي عدد 38/2016 المتعلّق بضبط اختصاصات محكمة المحاسبات وتنظيمها والإجراءات المتبعة لديها فصلا فصلا (167 فصلا)، ورغم اعتماد هذا القانون برمته بـ 143 صوتا لصالحه دون اعتراض ومحتفظ واحد، تبقى ظاهرة الغيابات في صفوف نواب الشعب آفة لم يعد بإمكان رئاسة مجلس نواب الشعب السيطرة عليها، حيث تسببت في سقوط عدد من الفصول ومن مشاريع القوانين.
وتبرز أهمية هذا القانون من خلال الصلاحيات الواسعة التي يمنحها لمحكمة المحاسبات لإجراء الرقابة على المال العام وحسن التصرّف فيه وتفعيل مبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية وكذلك تسليط رقابتها على الجمعيات والأحزاب السياسية التي تتلقّى التمويل العمومي، حيث تتحوّل من إدارة تابعة للسلطة التنفيذية ذات اختصاصات محدودة إلى محكمة وهي جزء مهم من السلطة القضائية، فما الذي سيتغيّر على أرض الواقع؟ وماهي التحدّيات الملقاة على عاتق محكمة المحاسبات؟
مكافحة الفساد
بيّن رئيس لجنة التشريع العام النائب كريم هلالي في تصريح لـ”الرأي العام” أن مشروع هذا القانون موجود في أروقة البرلمان منذ جوان 2016 وعملت لجنة التشريع التي ترأسها منذ شهر نوفمبر 2018 على هذا المشروع وتمّ تجهيزه وإحالته على الجلسة العامة. وأكّد الهلالي أن التوافق حول مشروع هذا القانون موجود منذ البداية ولكن تمثّل المشكل الأساسي في عدم حضور النواب للمصادقة على الفصول”. وقال “على جميع النواب تحمّل مسؤولياتهم تجاه البلاد وتجاه الشعب الذي انتخبهم حتى يقوموا بواجبهم البرلماني ويصوتوا على مشاريع قوانين مهمة”. وأضاف “لم نصوّت خلال هذه الدورة البرلمانية على العديد من القوانين المهمة ويعتبر هذا القانون من أهم القوانين التي عرضت على البرلمان”.
وعن أهمية مشروع هذا القانون، قال الهلالي “هو قانون مهم جدا للبلاد ويتمثل في تركيز مؤسسة من المؤسسات التي نصّ عليها دستور الثورة، وهو قانون مهم جدا للقضاء واستقلاله وللشفافية ومراقبة المال العام وحرب الدولة على الفساد”. وأضاف “محكمة المحاسبات هي مؤسسة وجهاز قضائي أعلى في مراقبة التصرّف في المال العام وفي شفافية المعاملات المالية التي تهم الدولة ومختلف هياكلها ومؤسساتها، وبالتالي هو قانون على غاية من الأهمية”. وأكّد الهلالي أن هذه المحكمة أخذت صلاحيات كبرى في هذا القانون وهي ذات استقلالية فعلية ذاتية وإدارية ومالية، ميزانيتها ستناقشها في المستقبل مع مجلس نواب الشعب وليس مع السلطة التنفيذية مثلما كانت في السابق، حسب قوله. وأضاف “في إطار سياسة الحكومة لمحاربة الفساد تم سنّ تشريعات وقوانين ومثلما صادقنا على قانون الإثراء غير المشروع وقانون هيئة مكافحة الفساد، يعتبر قانون محكمة المحاسبات من القوانين المهمة جدا، والحكومة أصرّت على المصادقة على هذا القانون، كما تعتبر المصادقة على هذا القانون لحظة تاريخية”.
وعن التحدّيات الملقاة على عاتق محكمة المحاسبات، قال الهلالي “تتمثل التحدّيات بالأساس في إنجاز المهام الموكولة لها في إطار هذا القانون في الآجال المحدّدة وبالإمكانيات المتوفرة، دائرة المحاسبات لم تكن تمتلك الإمكانيات اللازمة وكانت السلطة التنفيذية تضغط عليها وتحدّ من استقلاليتها عن طريق حرمانها من الامكانيات اللازمة للعمل، إضافة إلى تعيين الرئيس الأول من قبل السلطة التنفيذية واليوم كل هذا تغيّر وما على هذه المحكمة إلا التأقلم مع صلاحياتها الجديدة وتنفيذ مهامها الموسعة والتي تتطلب إمكانيات ضخمة وتجنيد قضاة محكمة المحاسبات الذين هم من أكفء القضاة في البلاد منذ زمن الديكتاتورية”.
ترسيخ دولة القانون والمؤسسات
وعن الإجماع حول مشروع قانون هذه المحكمة من قبل النواب، أكّد عضو لجنة التشريع العام النائب نذير بن عمو في تصريح لـ”الرأي العام” أنه بـالنظر إلى ما سبق فإننا كلّ مرّة نتحدّث فيها عن التوافقات إلا ونجد أنفسنا في مأزق باعتبار أن هذه مسائل فنية المفروض أنها لا تحلّ بالتوافق بل بالرجوع إلى الأصول وهي المصادر، ولتركيز محكمة المحاسبات المفروض أن يمر العمل الذي تنتهي إليه اللجنة إلى التعديلات الفنية إن وجدت ويقع التصويت في الجلسة العامة ويصادق عليه بالأغلبية، وإذا احتوى القانون ضعفا فنيا يعود مرة أخرى إلى اللجنة المعنية ويتم النظر فيه من جديد”. وقال بن عمو “التشريع بالتوافق ستظهر نتائجه الوخيمة بصفة تدريجية وسنكتشف في كلّ مرّة وجود مشكل، ولذلك من الأفضل العمل باليقين وهو تطبيق القانون كما ينبغي بأن يتم التصويت بالأغلبية على الفصول ودون ذلك يعود مشروع القانون إلى اللجنة”. وأضاف “بتطبيق نظام القانون الداخلي للمجلس، يمكن العودة للفصول المسقطة والمصادقة عليها من جديدة”.
وأكّد بن عمو أنه سيكون هناك نظام قانون جديد خاص بمحكمة المحاسبات وستصبح مراقبتها للمال العام بأكثر أريحية وستوفر لهذه المحكمة الموارد البشرية والمالية لتقوم بمهامها، واعتبر أن هذه المحكمة هي خطوة جديدة نحو إرساء دولة القانون. ولخص بن عمو تحديات هذه المحكمة بالأساس في “الانتقال من دائرة إلى محكمة ذات إشعاع وطني ودولي وهو ما يجعلنا نواجه العديد من التحديات أهمها مكافحة الفساد الذي لا يكون بهيئات ومؤسسات خارجة عن النظام القضائي الكفيل بمواجهة الفساد ويضع الضوابط ويعاقب بخصوص التجاوزات”.
وختم بن عمو تصريحه بالقول “باعتبار أن الجمهورية الثانية لها دستور جديد يضبط المبادئ والأفكار العامة، يكون تنزيله على أرض الواقع بمقتضى التشريعات التي تضمّ مؤسسات مختلفة على غرار المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء ومحكمة المحاسبات، وهي لبنة أخرى في ترسيخ دولة القانون والمؤسسات قولا وفعلا”.
مراقبة المال العام
وأوضح النائب غازي الشواشي في تصريح لـ”الرأي العام” أنه كان هناك تردّد في المصادقة على القانون فصلا فصلا، واستدرك قائلا “ولكن توافقنا على 98% من الفصول، وهناك بعض الفصول الخلافية المتعلقة بمراقبة الجمعيات والأحزاب ذات التمويل العمومي ورجعنا إليها بعد أن تمّ التوافق حولها”. وأكد الشواشي أنه بعد المصادقة على مشروع هذا القانون سيصبح لنا قانون يضمن الاستقلالية المالية والإدارية لمحكمة المحاسبات التي لها صلاحيات كبرى كهيئة قضائية وهي مخوّلة لمراقبة المال العام ومراقبة السلطة التنفيذية والتشريعية ومراقبة الجمعيات والأحزاب التي تتمتع بالمال العام، وبالتالي مراقبة المال العام والاخلالات التي تجلب الفساد وسوء التصرف في المال العام، وعلى الدولة توفير الموارد البشرية والمالية واللوجستية والإدارية لتسهيل عمل هذه المحكمة، وفق قوله. وختم الشواشي بالقول “هذه المحكمة تنطلق من مجرد أخذ عينات للمراقبة المالية ووضعها في الرفوف إلى مكافحة الفساد”.
اختصاصات محكمة المحاسبات
وقال رئيس جمعية القضاة التونسيين أنس الحمايدي، في تصريح صحفي، إن تركيز محكمة المحاسبات، بقانونها الجديد، سيجعل منها قوّة زجرية جديدة تنضاف لجهود مكافحة الفساد في تونس، ولاحظ أن القانون الجديد للمحكمة سيُمكّنها من صلاحيات واسعة وقوّة زجرية ضدّ من لا يمتثّل للتوصيات الصادرة في تقارير هذه المؤسسة. وأضاف الحمايدي أن تقارير دائرة المحاسبات لم تكن تحظى بالاهتمام سابقا، وأشار إلى أنه “لو يتمّ الرجوع إلى كلّ التقارير السابقة الواردة بدائرة المحاسبات، سوف لن يوجد أي أثر للمتابعة لما صدر عنها من ملاحظات تهم تقصيرا أو إخلالات في مواطن معينة”. وبرهن على ذلك بأن “دائرة المحاسبات قامت بمهمات رقابية على الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي في سنوات 1992 و2000 و2012 وكانت الدائرة تصدر في كلّ مرّة التوصيات ذاتها، لكن لم يتم تفعيلها أو أخذها في الاعتبار”. وقال “أما اليوم وبفضل القانون الجديد فإن محكمة المحاسبات أصبحت تتمتّع بصلاحية الحرص والسهر على مدى تنفيذ التوصيات التي تصدرها وتتبعها وبالتالي ستنير الرأي العام وستضع المسؤولين أمام مسؤوليتهم السياسية والجزائية، على حد سواء”. وشدّد الحمايدي على ”أننا أصبحنا في نظام الفصل بين السلط وتخضع إلى المجلس الأعلى للقضاء”، وأشار إلى أن مهام المحكمة كبيرة وواسعة وستكون مستقلة إداريا وماليا، وستقوم بالتتبع القضائي أينما وجدت أخطاء في التصرف المالي. وأوضح أن اختصاصات المحكمة هي متابعة الأموال العامة والتدخل حين تسجيل خروقات أو أخطاء في التصرف المالي، كما لها دور في معاضدة السلطة التشريعية، وفق تعبيره.
واعتبر الحمايدي أن القانون الجديد لمحكمة المحاسبات يمثل إضافة نوعية لمكافحة الفساد في تونس، إذ أن الرقابة ستكون مفروضة على كل المؤسسات التي تتمتع بالتمويل العمومي وكذلك على الجماعات المحلية وحسابات المحاسبين العموميين وعلى المال العام أينما وجد، لدى الأحزاب أو الجمعيات أو غيرها، فضلا عن تعزيز دور النيابة العمومية في الرقابة.
ولاحظ الحمايدي أن “المصادقة على هذا القانون يندرج في إطار تطبيق الفصل 117 من الدستور ويتماشى مع المعايير الدولية وخاصة منها توصيات إعلان مكسيكو للأجهزة الرقابية العليا”. وأضاف “هو قانون سيمثل إضافة نوعية لدعم السلطة القضائية في تونس وخاصة منه القضاء المالي”.
ويذكر أنه تمّ عرض مشروع القانون على جمعية القضاة التونسيين في العديد من المناسبات التي انطلقت لدى الإعداد الأوّلي والذي دام من 2011 الى 2015. وتمّت في ما بعد إحالته على رئاسة الحكومة، والتي قامت هي الأخرى باستشارة موسعة لكافة الهياكل المتدخلة والوزارات والإدارات المعنية بالأمر، ثم وفي 2016 تمت إحالته على مجلس نواب الشعب. وقامت لجنة التشريع العام، كذلك باستدعاء كافة الأطراف واستمعت إلى آرائهم سواء من قضاة محكمة المحاسبات أو من خارجها.




