– محمد الحمروني –
يمكن القول أن حسن الزرقوني حصد في السنوات الأخيرة ثمرة رهانه المبكر على استطلاعات الرأي في نظام دكتاتوري لا يعترف إلّا بالرأي الواحد. الزرقوني تغلغل في عالم الاقتصاد ثم في التلفزة للترويج لكاكتوس وبرامجها ليقتلع مكانة معقولة تحوّلت بمرور السنين إلى مشروع اقتصادي مربح قبل أن تفتح له الثورة أبواب التوسّع في نظام ديمقراطي يحتاج معطيات دقيقة عن الرأي العام وتوجّهاته.
قصّة نجاح الزرقوني تبعث على الإعجاب حقيقة فهي مزيج من الذكاء في تشخيص مشروع ناجح والصبر عليه والتقاط اللحظة المناسبة لتوسيعه والأهم من ذلك الحرفية العالية التي تتمتع بها مؤسسته والتي أظهرت براعتها في الإعلان عن نتائج انتخابات 2014 لأول مرّة في تونس مباشرة بعد نهاية الاقتراع. قصة نجاح لا نقاش في ذلك ومؤسسة دعمت الخيار الديمقراطي وساعدت السياسي وصانع القرار على فهم الناخب وتصويب سياساته وبرامجه لتتناسب مع الواقع حيث يكتسب الصوت الانتخابي أهميّته في أيّ نظام شفاف.
الوجه الخفي لقصة النجاح هو تجارة سبر الآراء حيث يُتّهم الرجل بأنه ينجز استطلاعات مفصّلة على المقاس لخدمة هذا على حساب ذاك
التجمّع لم يكن يحتاج استطلاعات رأي لأنّ النتائج كانت تأتي من وزارة الداخلية وليس من مكاتب الاقتراع ولكن اليوم كل الأحزاب باتت مهتمة بأسبار الآراء وبات الزرقوني بالذات قبلة الجميع لإنجاز استطلاعات داخليّة يستفيد منها كل طرف في إعداد عدّته إضافة إلى انتظار الموعد الشهري للبارومتر الذي تنصب من أجله المجالس للتعليق والتحليل.
الوجه الخفي لقصة النجاح هو تجارة سبر الآراء حيث يُتّهم الرجل بأنه ينجز استطلاعات مفصّلة على المقاس لخدمة هذا على حساب ذاك. الاتهامات موجودة والتشكيك موجود ولكن هذا لم يؤثر كثيرا على سمعة الرجل إلى وقت غير بعيد. الاستطلاعات الأخيرة التي رافقت ظهور حركة تحيا تونس كشفت دورا ما للزرقوني يمكن اعتباره بوضوح عبثا بالديمقراطية بل محاولة لقتلها عبر تحويل عمليّة سبر الآراء إلى تغليب للرأي العام لإقناعه بظهور قوّة جديدة عبر الأساليب الملتوية.
نتحدث بالأدلة ونترك لـ”سي حسن” حق الرد ولكن نتحداه بأن يكون الاستطلاع المرتقب بعد أيام مخالفا لما نقوله أي انهيار النداء وصعود تحيا تونس ومن ثم العمل على أن يتجاوز حركة النهضة قبل فترة الصمت الانتخابي عسى أن تتم عمليّة توجيه الرأي العام في اتجاه الحزب الجديد الذي لا يحتاج في نظرنا خزعبلات الزرقوني لينال موقعه.

خلال زيارة الشاهد ووفد تحيا تونس لباريس عمد الزرقوني إلى إجراء استطلاع منح النهضة 33 % والشاهد 30 % والنداء 16 % وتحيا تونس دون ذكره 13 %. الاستطلاع ظهر قبل وقته وكأنّه يوجه صرخة سياسيّة بأن النهضة “عامت على البلاد” وأن البديل هو الشاهد، تكتيك فاشل راجعه صاحبه بسرعة في اتجاه التوازن بين الأحزاب وتدحرج الشاهد ليقفز النداء إلى 20 % وتنزل النهضة إلى 24 % بزعم تغيير منهجية الاستطلاع فيما نال تحيا تونس 12 % قبل أن ترتفع أسهمه إلى 16 % متجاوزا بفارق ضئيل نداء تونس الذي تقهقر إلى المرتبة الثالثة في ذروة الاحتجاج على الحكومة يتقدّم الحزب الأقوى فيها من حيث عدد الوزراء أما النداء فقد أصبح مجرّد لعبة في يد الزرقوني يرتفع ويتراجع وفق استراتيجية التأثير في الناخب الندائي ليجد نفسه مجبرا على الالتحاق بالحزب الجديد.
حسن الزرقوني يعيد لعبة 2014 التي ساهمت في غفلة من الناس في تشكيل المشهد السياسي عبر آلية سبر الآراء التي كانت دون ريب مفاجأة الانتخابات ولكن الظرف الآن مختلف تماما لاعتبارات هيكلية تهم المشهد ليس هذا مجال تفصيلها ولاعتبارات تخص الزرقوني نفسه الذي يبدو أنّه يتصرّف بثقة مفرطة في النفس بل بغرور قد يجعله يتحوّل من ركن من أركان البناء الديمقراطي إلى مجرّد سمسار انتخابات.
أخطاء الزرقوني الاتصالية تواصلت حين زعم أن تغيّر استطلاعات الرأي يرتبط بحدث كبير يقلب المعطيات مثل اغتيال سياسي يخلط الأوراق وفي غياب ذلك فالنهضة منتصرة!
سي حسن تجرّأ على عقولنا ليس بالعبث بأرقامه بل حتى بسلوكه الإعلامي. فقد اختار أن يكون مدير حوار رئيس الحكومة يوسف الشاهد في معهد العالم العربي بباريس دون صفة تخوّله لذلك بل في تعارض تام مع واجب التحفّظ المفروض عليه باعتباره صاحب أهم مؤسّسة لاستطلاع الرأي في البلاد. وهو نفس خطأ شوقي قدّاس الذي قبل أن يكون رئيس مؤتمر تحيا تونس قبل أن يضطر للانسحاب وكان الأجدر به الاستقالة من رئاسة الهيئة (على ذكر قداس وهو رئيس هيئة رسمية تعني بحماية المعطيات الشخصية فقد قام خلال القمة العربية وفي تصرّف صبياني بتتبع حركة طائرات بعض القادة العرب على صفحته في الفايسبوك).
أخطاء الزرقوني الاتصالية تواصلت حين زعم أن تغيّر استطلاعات الرأي يرتبط بحدث كبير يقلب المعطيات مثل اغتيال سياسي يخلط الأوراق وفي غياب ذلك فالنهضة منتصرة!

ذلك قبل أن يعطي إشارة استهداف زياد العذاري بالتصريح بأن النتائج الحاليّة تجعله رئيس الحكومة وكأنّه يستنفر القوى لتهبّ للالتحاق بجبهة أخرى. في هذه النقطة بالذات يمكن القول أنّه كان غبيّا اتصاليّا لأنّه منح العذاري هديّة مجانية داخل النهضة وخارجها وهو ما يؤكد المثل القائل من حفر جبا لأخيه وقع فيه.
الحاصل أن لعبة الزرقوني مكشوفة وهي تهدّد العمليّة الديمقراطيّة في جوهرها ويجب التحرّك بكل الوسائل القانونية لردعه لأن ما يفعله وإن كان يستفيد من الفراغ التشريعي إلّا أن مواجهته ممكن بقوانين التجارة المتاحة بل والتشهير السياسي بهذا الرجل الذي بات خطرا على ديمقراطية ناشئة يريد مصادرتها وتسخيرها لخدمة فصيل سياسي.
لقد منحت الديمقراطية التونسية للسيد حسن الزرقوني الفرصة ليكون شريكا في حمايتها وترسيخها ولكن الواضح أنّه يريد التحوّل إلى “غوبلز” جديد يخدع الجمهور ببيعه بضاعة فاسدة تمنعه من الاختيار الحرّ.
إن دور عملية سبر الآراء هي مساعدة السياسيين على فهم الرأي العام وليس مخادعة الشعب والتلاعب به لتوجيهه نحو خيار دون آخر. هذه بعبارة واضحة جريمة في حق الديمقراطية لا يمكن السكوت عليها ولا نعتقد أن حركة تحيا تونس تحتاجها لتأخذ مكانها في المشهد السياسي والخاسر الوحيد بالطبع هو الديمقراطية والأخلاق السياسية.




