حاورته جليلة فرج
لن نتنكّر للمرجعية السياسية لنداء تونس، خلال 2014 هناك من انتهز فرصة نهاية المدّة الرئاسية للسبسي وعدم ترشحه من جديد للرئاسة واعتبر أن سلطته تقلّصت فانقض على الابن، الحزب الوحيد الذي له الثقافة الحزبية والسياسية هو حزب حركة النهضة، هذا بعض ما قاله النائب عن الائتلاف الوطني والقيادي في حزب تحيا تونس الصحبي بن فرج في حوار مع “الرأي العام”.
الانطلاقة الاولى لمؤتمراتكم الجهوية لم تكن موفقة كثيرا فيما يبدو؟
بدأنا على أساس تكوين قائمات محلية وجهوية لانتخاب قيادات محلية وجهوية وهدفنا أن يتم اختيار القيادات من قبل القواعد لا أن يتمّ تعيينهم من المركزي. وطبعا في كلّ عملية انتخابية هناك تنافس بين قائمات عديدة والأكيد أن التوافق لا يلبّي رغبة جميع الأطراف وبالتالي هناك من لا يرضيه التوافق ويرى نفسه أحقّ بأماكن أكثر وأكبر، وهذا عادي ولا نستغربه في بداية التأسيس وكنّا نتوقع حصول مثل هذه المشاكل في بعض الجهات بما أنّنا حزب جديد ليس له تقاليد العمل ويضم مشارب وانتماءات متعدّدة.
لازالت هويّة حزب تحيا تونس غير واضحة لعموم المتابعين بل البعض يراه نسخة كربونية عن النداء، ما قولك؟
أغلبنا شارك في مشروع نداء تونس ولن نتنكّر لهذه المرجعية السياسية، فنحن من الذين أسسوا النداء ومرجعيته السياسية الأصلية والتي هي مرجعيتنا حاليا وهي تواصل للحركة الإصلاحية في تونس والتي تتميّز عن الإسلام السياسي بكونها مدرسة حداثية وعصرية إضافة إلى أننا نستفيد من المدرسة الليبرالية البحتة واليسارية البحتة ولكننا لا ننتمي إليها، وعموما نحن امتداد للحركة الإصلاحية التونسية. واقتصاديا نحن نؤمن باقتصاد السوق والليبرالية وأيضا نؤمن بالعمل الاجتماعي والأسس التي تكوّنت عليها دولة الاستقلال وهي المدرسة العمومية والمستشفى العمومي والخدمات العمومية التي يجب أن تكون في يد الدولة خدمة لصالح الشعب.
في الفترة الأخيرة بدأت تتنامى مخاوف البعض من استغلال أجهزة الدولة وتسخير إمكاناتها من طرف الحزب الجديد، فماذا تقول في هذا الشأن؟
كلّ هذا مجرّد كلام لا غير ولا وجود لأدلة تثبت استغلال حزبنا لأجهزة الدولة. هذه اتهامات باطلة ومغرضة متأتية من منصف المرزوقي الذي دخل سنة 2014 في حملة انتخابية وهو رئيس دولة واليوم أصبح يتحدّث عن استعمال إمكانيات الدولة، وأيضا نداء تونس قبل أن يعقد مؤتمر 6 أفريل كان يتّهمنا باستغلال أجهزة الدولة في حين أن خلال 2014 كلّ التابعين للنداء من وزراء وولاة ومعتمدين نزلوا بكلّ ثقلهم للحملة الانتخابية.
بعض المراقبين يعتبرون أنّ ما حدث خلال مؤتمر نداء تونس من تنازع بين السبسي الابن وطوبال الهدف منه كسر نسق التهدئة الذي مضى فيه رئيس الجمهورية وخلق مشكلة داخل النداء ومحاولة تحميل الشاهد مسؤولية تمرّد سفيان طوبال على الباجي قائد السبسي، ما رأيك؟
تحميل المسؤولية ليوسف الشاهد أصبحت عادة، وهذا الاستهداف الممنهج للشاهد يأتي في إطار الحملة الانتخابية. نداء تونس منذ 2015 فقد وحدته ونحن كنّا أوّل من خرج من النداء وكنّا توقعنا ما حصل اليوم، ووجود السبسي الابن في موقع قيادي في حركة نداء تونس هو السبب الرئيسي في الانشقاقات المتوالية وأغلب قيادات الصفّ الأوّل غادرت النداء، وبالتالي العلّة والمرض موجود داخل هيكلة وقيادة نداء تونس. وما حصل في مؤتمر النداء أيضا كان منتظرا لأن هناك من انتهز فرصة نهاية المدّة الرئاسية للسبسي وعدم ترشحه من جديد للانتخابات الرئاسية وبالتالي اعتبر أن سلطته تقلّصت فانقض على الابن، ونعرف أنه حتى المجموعة التي كانت محيطة بحافظ السبسي لم تكن مقتنعة بقيادته وأفكاره بل ما جمعهم به هو صفته كابن رئيس الدولة.
هل صحيح أن الرئيس كان يريد تسليم المشعل للشاهد ومن ثمّ تكليفه بتوحيد الندائيين وهذا ما يعني عمليا دخول الانتخابات القادمة بقطبين واضحين هما النداء الموحّد بزعامة الباجي قائد السبسي ووريثه الشاهد في مواجهة النهضة؟
أعتبر أن خطابات السبسي في الفترة الفارطة توضّح إحساسه بعمق الأزمة الواقعة في نداء تونس واستحالة حلّها بالطريقة والوجوه الموجودة الآن، وأيضا استعادة الوعي أن المعركة التي خاضتها رئاسة الجمهورية مع رئاسة الحكومة هي معركة أضعفت القوى ولم يستفد منها أيّ طرف، بل تضرّرت منها أكثر صورة رئيس الدولة وهو الآن على أعتاب نهاية المدّة الرئاسية ويطمح لأن يدخل التاريخ من الباب الكبير. وأعتقد أن الخطوة الأولى التي يفكر فيها السبسي هي إنهاء فترته الانتخابية بإنجاز يتمثل في محاولة تجميع مختلف القوى الوسطية في وعاء حزبي واحد وتنفيذ وعده في 2012 بأنه جاء فقط ليمضي مدّة رئاسية واحدة ثم يسلّم المشعل بعدها لمن يرى أنه الأقدر من الجيل الصاعد، وهذا لا ينطبق إلا على يوسف الشاهد المرشح الأكثر حظوظا للرئاسة من بين العائلة الوسطية، وحزب تحيا تونس هو الأقوى في العائلة الوسطية ولكن طبعا ليس بالقوة الكافية التي ستكون في مواجهة لحركة النهضة، وفي حالة تنقية الساحة الوسطية من الخلافات بالإمكان أن نكوّن قطبا سياسيا موازيا لحركة النهضة لأن وجود قطبين متوازيين في الساحة السياسية يضمنان تواصل التجربة الديمقراطية.
هل تعتقد أن هناك مَنْ مِنْ مصلحته إضعاف الشاهد وحرمانه من إبرام صفقة مع الباجي وفتح القنوات بين قرطاج والقصبة إلى جبهة انتخابية تجعله في وضع أمان استراتيجي؟
لا يمكن الحديث عن صفقة بين الباجي والشاهد، فمهما حصل الشاهد تمّ تعيينه من قبل السبسي ولا أعتقد أن ينسى الشاهد دور السبسي في صعوده ووصوله لهذه المراتب رغم الخلافات التي حصلت بينهما طيلة العام الفارط، وأيضا لا أعتقد أن السبسي لا يكنّ للشاهد إلا كل الاحترام، وبالتالي يمكن أن نتحدّث عن اتفاق أو سلام الشجعان الذي بمقتضاه يكون الاتفاق على إنهاء هذه المدّة الرئاسية للسبسي من الباب الكبير وأيضا يتمّ خلالها تسليم مشعل قيادة العائلة الوسطية إلى الشاهد المؤهل رقم واحد للقيام بهذه المهمة. هناك من يحاول أن يعرقل الشاهد وله مشكل شخصي معه، وهناك مراكز قوى تعرف أن بوصول الشاهد للرئاسة وحزب تحيا تونس للحكومة يمكن أن تمسّ مصالحها وتتراجع مواقع نفوذها وبالتالي هي تقود حرب كبيرة على الشاهد وحزبه، وأيضا هناك أعداء الديمقراطية داخل المجتمع التونسي ولا يؤمنون بالانتقال الديمقراطي، ونحن نعتبر أن أحد العناصر الضامنة لتواصل التجربة الديمقراطية في تونس هو وجود قطب وسطي قويّ وزعيم قادر على المنافسة، وفي غياب هذا الزعيم وهذه التشكيلة الحزبية القوية تصبح الديمقراطية مختلة وتصبح هناك قوّة واحدة وهي حركة النهضة وبالتالي هذا سيؤدي لعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي ولحصول كوارث من الممكن أن أعداء الديمقراطية يخططون لها بعناية منذ أشهر.
هل تعتقد أن الطيف الدستوري قادر اليوم عمليا على تجميع نفسه في كتلة واحدة؟
صعب لأن من مشاكل الطيف الدستوري مشكل الزعامتية والاعتراف بزعامة شخص أو أشخاص على العائلة الدستورية ما يفسّر تشتت العائلة الدستورية، وأيضا هناك صراع الأجيال بين الجيل السابق الذي قاد الحركة الدستورية في نظام بورقيبة وجيل صاعد يعتقد أنه اليوم حان الوقت ليأخذ المشعل، ولكن أن يجتمعوا في حزب واحد فهذا غير ممكن.
من قبل انتخابات 2014 ونحن نعاين تشكل جبهات وتحالفات سياسية لإنقاذ تونس ولكنها سرعان ما تتفكّك وتضمحل وتتلاشى، يعني تقريبا كلّ التحالفات والجبهات فشلت، لما تفشل برأيك؟
لأننا لازلنا في الخطوات الأولى للتجربة الحزبية والسياسية، وطيلة عشرات السنوات لم تكن هناك حياة حزبية وتنافس حزبي بل كانت هناك صحراء سياسية حيث هناك حزب واحد وزعيم واحد ودولة الحزب وحزب الدولة وهو أمر واقع في النظام السابق، واليوم وطيلة سنوات ما بعد الثورة الحزب الوحيد الذي له الثقافة الحزبية والسياسية هو حزب حركة النهضة وهو الذي يستطيع أن يشكل جهاز انتخابي وحزبي متضامن ومهيكل ومنضبط، والعائلة الوسطية للأسف الشديد ليس لها تقاليد حزبية ولم يكن لها حزب من الوزن الثقيل، تمت تجربة نداء تونس وأعتقد كانت تجربة رائدة ولكن للأسف الشديد تمّ تدميرها بشكل ممنهج داخليا وخارجيا ويتحمّل أبناء الحزب مسؤولية ذلك ويتحمّل بالأساس الباجي قائد السبسي وابنه ما وقع في النداء طيلة الأربع سنوات الفارطة ونتمنى أن يتم إصلاحه في المستقبل، ولذلك الانتظام داخل الحزب يسير دائما بتعثر وحتى على مستوى الجبهات لم تقع جبهات ناجحة إلا أنه من الضروري أن تقع المحاولات مجدّدا على أمل النجاح.
هل تعتقد أنه يمكن أن ندخل الانتخابات القادمة بمنطق عملية الفرز الإيديولوجي والمتناقضات الفكرية والسياسية والهووية؟
في أغلب دول العالم المعارك الإيديولوجية انتهت وبقينا نعاني منها في تونس لمدّة سنوات بسبب أخطاء الجميع، هناك جانب من الرأي العام وخاصة النخبة مهتم بهذه المتناقضات وهذا يجب أن نأخذه بعين الاعتبار، ولكن على مستوى عموم الشعب إلى جانب الاهتمام الإيديولوجي وهو أمر عادي وعفوي هناك الاهتمام الشعبي بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية المطلوب والمفروض أن تكون المادّة الأساسية للحملات الانتخابية. سيقوم جزء كبير من التنافس بناء على قدرة كل حزب على تشخيص الواقع وتقديم الحلول، وأعتقد أنه من الأخطاء التي يرتكبها السياسيون والتي يدفع إليها بعض أعداء الديمقراطية هي حشرنا وحصرنا في الخلاف الإيديولوجي وهو ما يؤبد الصراع والنزاع والخصومة، وهؤلاء يعرفون جيدا أن تحوّل النقاش والتنافس من الميدان الإيديولوجي إلى الميدان العملي الاقتصادي والاجتماعي والبرامجي واقتراح الحلول سيفقد هذه القوى التي تدفع نحو الخلاف والفرقة والاصطدام الإيديولوجي مراكز نفوذها.
والثابت أن التطوّر الطبيعي للتاريخ وللمجتمعات وللسياسة سيؤدي حتما إلى انقسام المجتمع إلى قوى سياسية لها تعبيرات اجتماعية واقتصادية وستبقى التعبيرات الإيديولوجية موجودة ولكن ستنحصر في جزء بسيط من الشعب التونسي لأن أغلبية الشعب التونسي سيتشكل سياسيا وتنظيميا وحزبيا في المستقبل على أسس برامجية (كيفية حلّ مشكل الصحة، التعليم، الاقتصاد، نظرتنا لتونس في العالم العربي الإسلامي، علاقاتنا مع دول العالم…) وهذه البرامج ستمثل الحدود ما بين الأحزاب، وهذا طبعا سيضرب نخبة سياسية معيّنة لم تتعوّد بالتأسيس على الأفكار بل أسست كل برامجها ومشاريعها على الصراع الإيديولوجي وتقوقعت داخله.
ألا ترى أننا نعيش منذ الثورة أزمة أخلاق سياسية بسبب عدم إيمان الجميع بقيم العيش المشترك واحترام نتائج صناديق الاقتراع؟
نحن نعيش أزمة ديمقراطية والتونسيون قاموا بعدد من الانتخابات الشفافة بعد الثورة ولم تسل قطرة دم واحدة رغم أن هذا الشعب كان يعيش تحت نظام كلياني منذ أكثر من نصف قرن، وهو ما يفسّر أن الشعب التونسي مستعد للتجربة الديمقراطية، ولكن هناك من لا يقبل أصلا العملية الديمقراطية ويعتبرها تجلب الحثالى ومن لا يعرف الحكم، وفعلا هناك أحزاب حقيقة لا ينطبق عليها الحدّ الأدنى من الكفاءة السياسية أو المقبولية السياسية وهذا يتمّ تسويقه إعلاميا بصفة مطلقة وإطلاق النعوت السيئة على كامل الأطياف السياسية وإطلاق الأحكام السلبية على كامل الطبقة السياسية وهو ما يجعل الشعور لدى الرأي العام بأنه لم يكتسب شيئا من الحرية والديمقراطية وأنه من الأفضل أن يكون تحت دولة مستبدة، إلى جانب طبعا التجاوزات الأخلاقية السياسية التي هي على شاكلة التجاوزات الأخلاقية الموجودة داخل المجتمع، لأن الطبقة السياسية هي نتاج المجتمع. ودائما نقول نحن في السنوات الثمانية الأولى من الديمقراطية والديمقراطيات العريقة والمستقرّة التي لها حدّ أدنى من الأخلاقيات عمرها مئات السنين، لذلك لا يجب أن نظلم تجربتنا ونحاول أن نكون كنخبة قدوة حسنة ولا نكون دعاة عنف ودون أخلاق ونتحلى بالحدّ الأدنى من المسؤولية التي سنتحاسب عنها يوما ما.




