فتحي عثمان
تونس الى أين؟
سؤال طرحه المشرفون على مركز الدراسات الاستراتجية والديملوماسية منذ مدة في ندوة حاضر فيها الدكتور مصطفى بن جعفر، عند حضوري هذه الندوة جالت بخاطري ذكريات حلوة ولحظات ممتعة كانت يؤمنها لنا الدكتور عبد الجليل التميمي الذي شق لنا طريقا في بحر الظلمات. من خلال تنظيمه لبعض الندوات الفكرية والسياسية يحضرها لفيف من المثقفيف والادباء والمعارضين والصحافيين والمؤرخين والوزراء السابقين في عهد بورقيبة.
اذكر الوالي السابق الطاهر بوسمة والوزراء السابقين محمد مزالي وزوجته فتحية مزالي والوزير الاديب بشير بن سلامة والمناظل عمر الماجري وقيدوم قطاع الطفولة منصف الشريف.
فكنا نلجا الى مؤسسة التميمي كمن يلجا الى ملك عادل هربا من حاكم ظالم وكنت اتابع ملخصا للندوات التي يتعذر علي حضورها من خلال كتابات الكاتب الصحفي نوفل سلامة بجريدة الصريح.
فقد وفر لي الدكتور التميمي الفرصة كي اسافر وانا في تونس الى عالم اخر اناقش فيه افكارا واطرح مواضيع تعتبر محرمة في الفضاء العام والمجال الاعلامي فاتمتع بافراغ نفسي ومتعة فكرية لا مثيل لها.
سرعان ما أفتقد هذه اللحظات عند خروجي من باب العمارة الموجودة بالشرقية اي اني ابارح الجزيرة لاعود الى بحر الظلمات فاغرق في تفاصيلي اليومية وفي التعتيم الشامل والكامل على كل ما هو فكر وحرية وحق التعبير اعود الى موضوع الندوة.
فاقول انه مقسم حسب رايي الى ثلاثة ابعاد، البعد الفلسفي وهو من اختصاص نخبة النخبة اي المفكرين المنوط بعهدتهم التنظير والتوجيه العام للافكار من خلال المرجعيات والخلفيات الفكرية والسياسية البعد الثاني هو الجانب البحثي اي تفكيك تلك الافكار بعد فهمها واستيعابها لتنزيلها على الواقع وهذا البعد مهم لانه يمثل همزة الوصل بين المفكر والمجتمع.
وقد اقتصر النقاش بعد ثماني سنوات من الثورة على الجانب السياسي البحت ولم تنفتح الفضاءات الاعلامية السمعية البصرية التي تعتبر اقرب الى المواطن العادي على عالم الافكار الموجهة لتقدم المجتمع وايجاد ثقافة بديلة تنسجم مع اهداف الثورة لانه لا نجاح لاي ثورة ما لم يسندها رافد فكري وثقافي.
وهنا استحضر ما شعرت به الدكتورة امال القرامي من قلق وتشوش في الافكار عند حضورها حلقة تلفزية تهارج فيها بعض الساسيين الحاضرين معها اما البعد الثالث وهو المفهوم الشعبي للسؤال وهو ما يعبر عنه عامة الناس بتونس “لوين ماشية” فيقتصر التساءل في ارتفاع الاسعار والضيق المادي إضافة الى عدم الاحساس بالأمن والأمان الذي كان متوفرا قبل الثورة -طبعا حسب تقديرهم- ولكن هذه الابعاد مترابطة ومؤثرة في بعضها البعض فاذا اردنا ان نغير في واقع البعد الثالث فعلينا لا نعطي اهمية قصوى لمن يمثلون البعد الاول والثاني ونجعلهم في صدارة المشهد.
لان الثورة وبعد مدة طويلة لم يبرز منها الا اهل السياسة ومشاكلهم الا من رحم ربي وهم قلة من الواعين بدورهم في الاصلاح والتنوير وهنا يجب ان تتضافر جهود الساسة المدركين لدورهم الحقيقي وبقية النخبة وخاصة وساءل الاعلام كي تلجم الثورة جماح عواطفها لتحقيق شعار حرية كرامة وطنية وتكون انتخابات 2019.
الانعطافة الكبرى لتونس كما يراها المفكر وكما ينظر اليها الباحث وكما يحبها عامة الشعب تونس تفكر تبحث عن الحلول وتطبق ما اتفق عليه عاشت تونس متاصلة متفتحة وحرة.




